تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كوني بردا وسلما

[الأنبياء: 69]. والماء الذي يغرق يأتيه الأمر:

فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم

[الشعراء: 63]. وقال:

فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى * فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم

[طه: 77-78]. والعصا التي خلقت من غصن شجر جاف، تتحول إلى أفعى، أي نقلها كلها إلى جنس آخر، من نباتية إلى حيوانية. هذا هو خرق النواميس. ويقول الحق عن هؤلاء الذين ادعوا أن يد الله مغلولة: ﴿ غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ﴾ أي أنهم طردوا من رحمة الله، لأنهم هم الذين بشروا على أنفسهم وقالوا إن يد الله مغلولة، وسبحانه قادر أن يمنع عطاءه عنهم. ويتابع سبحانه: ﴿ بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء ﴾ ، وهو يعطي من يريد، وكلمة " اليد " في اللغة تطلق على الجارحة وتطلق على النعمة، فيقول الرجل: إن لفلان علي يدا لا أنساها أي أنه قدم جميلا لا ينسى. واستعملت اليد بهذا المعنى لأن جميع التناولات تكون باليد. وتطلق اليد ويراد بها الملكية فيقول سبحانه:

أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح

[البقرة: 237]. أي الذي يملك أن ينكح المرأة، هو الذي يعفو. وفي القتال نجد القول الحكيم:

قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم

[التوبة: 14]. أو تطلق اليد على من له ولاية في عمل من الأعمال، لذلك نجد الحق قد قال:

ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي

[ص: 75]. وآدم هو الخلق الأول وكلنا من بعده مخلوقون بالتناسل من الزوجية.

وقد كرم الله الإنسان بأنه خلقه بيديه، وخلق كل شيء ب " كن ". إذن: كلمة " اليد " تطلق على معان متعددة. والرسول يقول:

" المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ".

أي عندما تجتمع الأيدي تكون هي اليد القادرة. وعندما نقرأ كلمة " يد الله " فهل نحصرها في نعمته أو ملكه؟

تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير

[الملك: 1]. والله سبحانه وتعالى أعلم بذاته فلنقف عند الوصف، نعم له يد، وله يدان، وإياك أن تتصور أن كل ما يتعلق بالله مثل ما يتعلق بك لأن الأصل أن لك وجودا الآن، ولله وجود، لكن وجودك غير وجود الله، وكذلك يده ليست كيدك. حتى لا نشبه ونقول: إن له يدا مثل أيدينا، فلنقل إن المراد باليد هو القدرة أو النعمة، والهدف الراقي هو تنزيه الحق. وهناك من يقول: إن لله يدا ولكن ليست كأيدينا لأننا نأخذ كل ما يأتي وصفا لله على أنه " ليس كمثله شيء " والتأويل ممكن. مثلما بين الحق: انه قد صنع موسى على عينيه. وتأخذ أي مسألة تتعلق بوصف الله إما كما جاءت، بأنه له يدا ولكن ليست كالأيدي، وله وجود لا كالوجود البشرى، وله عين ليست كالأعين، ولكن كل وصف لله نأخذه في إطار " ليس كمثله شيء ". وإما أن نأخذ الوصف بالتأويل، ويراد بها النعمة ويراد بها القدرة. ويقول الحق: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ والمراد هنا هو " النعمة ". ولم يكتف سبحانه بأن يرد بأن له يدا واحدة تعطي. لا، بل يرد بما هو أقوى مما يمكن، فهو يعطي بيديه الاثنتين، وهو القائل:

وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة

[لقمان: 20]. أنه يعطي الظاهر ويعطي الباطن. وإياك أن تقول تلك اليد اليمنى وتلك اليد اليسرى لأن كلتا يدي الله يمين: ﴿ بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء ﴾ أي أنه سبحانه لا يمكن. أن يكون بخيلا، حتى وإن منع الحق فذلك منح وعطاء وإنفاق لأن الذي يطغى بنعمة، قد يذهب به الطغيان إلى بلاء وسوء مصير لذلك يقبض سبحانه عنه النعمة ليعطيه الأمن من أن ينحرف بالنعمة. ولذلك نجد القول الحق في سورة الفجر:

فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن

[الفجر: 15-16]. ورد الحق بعد ذلك بقوله: ﴿ كلا ﴾. فلا الإعطاء هنا للإكرام، ولا المنع للإهانة. فكيف يكون الإعطاء دليل الإكرام وقد يعطيك الله ولا تؤدي حق النعمة؟ وكيف يكون المنع دليل الإهانة وهو قد منعك من وسيلة انحراف؟ إذن فهو قد أعطاك بالمنع - في بعض الأحيان - أنه قد أعطاك الأبقى وهو الهداية.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٤٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٤٠٦