تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون

[يونس: 58]. وكل تكليف من الحق للخلق هو فضل من الله لأنك إن نظرت إلى كل تكليف من الحق للخلق لوجدت أن التكليف إنما يعود لصالح الخلق وما دامت الفائدة من التكليف تعود إلى الخلق فليس من المطلوب إذن أن يثاب الخلق المؤمنون المكلفون، لكن الله يأبى أن يكلف خلقه بتكاليف ويذهبون إلى هذه التكاليف بطاعة ومحبة دون أن يجازيهم على ذلك بحسن الثواب.

ولهذا نجد الحق يقول:

قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان

[الحجرات: 17]. المنة إذن لله حين تفضل على الخلق الذين أطاعوه بحسن حياتهم في إطار تكاليفه الإيمانية، وفوق ذلك هناك الثواب، وهذا هو عين التفضل من الحق على الخلق المؤمنين:

قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون

[يونس: 58]. وساعة نسمع " بفضل الله " فلنعلم أن فضل الله لا حدود له. وقد نجد من يقول: ولكن الحق سبحانه وتعالى قال:

وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى

[النجم: 39-40]. ونقول: لنفترض أن إنسانا مات، ونجد الأمر من الخالق سبحانه وتعالى بأن نصلي عليه لندعو له بالرحمة. ودعاؤنا للميت بالرحمة يأتي له بخير أكثر مما فعل هو في حياته، ولولا أن صلاتنا على الميت تثيب الميت وتثيبنا في آن واحد لولا ذلك ما أمرنا الحق بأداء هذه الصلاة. وقد يقول قائل: هذا الخير الذي يأتي إلى الميت من دعاء المصلين عليه ليس من سعي الميت. ونقول: إن " اللام " في قوله الحق:

للإنسان إلا ما سعى

[النجم: 39]. هذه اللام تفيد الاستحقاق والملكية. وهو قول كريم يحدد العدل ولا يحدد الفضل. ونضرب مثلا من حياتنا نحن البشر - ولله المثل الأعلى - تجد السيد يقول للخادم عنده: إن لك أجرا عندي يساوي مائة جنيه. ثم يجيء السيد في آخر الشهر ويقول للخادم: خذ مائة وخمسين جنيها. العدل إذن هو أن يأخذ الخادم أجره وهو مائة جنيه، ولكن الخمسين جنيها الزائدة هي الفضل الزائد عن الأجر. إننا حين يأمرنا الحق سبحانه وتعالى بأن نصلي على الميت فهذا تفضل من الله على الميت وعلينا أيضا. هذا لون من تفضل الله على خلقه. وسبحانه يجازي كل إنسان بما عمل ويمنحه فوق ذلك، ومن قصر في شيء من العمل. ويصلي عليه الناس ويدعون له بالرحمة فتفيض رحمة الله على العبد وعلى غيره من العباد. وهذا هو مناط قول الحق:

قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون

[يونس: 58] وعندما نحقق في هذا الموقف وحده نجد أن الجزاء يكون أفضل من العمل. وما الذي يجعل المؤمن يصلي على ميت مؤمن؟ إنه إيمان هذا الذي مات وإيمان من مات ملك له، وعلى ذلك فملكية المؤمن لإيمانه تمتد بعد أن يموت لتشمل صلوات ودعاء من صلوا عليه. وذلك يدخل في فضل الله: ﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله واسع عليم ﴾ [المائدة: 54]. وما دامت المسألة فضلا من الله يشمل كل مؤمن فلا بد أن الحق عنده من السعة ما يعطي الكل.

وسبحانه واسع عليم. والحديث القدسي يقول:

" يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ".

إذن فخزائن الله ملأى لا تنفد، وسعة الحق مطلقة. ولهذا نحن أيضا نجد أن الحب في الله يزداد دائما، فساعة نشاهد اثنين يتحابان في الله، فحبهما يزداد كل يوم لأنه الحب في الله. أما إن كان الحب لأمر محدود فذلك الحب ينتهي ويترك كل منهما الاخر بانتهاء السبب لذلك الحب. ولنأخذ قضية واضحة أمامنا: من كان يحب في الله فالحب لغير المحدود لا حدود له. ومن كان يحب في غير الله، فالحب هنا لمحدود ويرتبط طردا وعكسا بمدى الإثراء من هذا المحدود. ومن يحب لغرض من أغراض الدنيا يقيس ما يعطيه لمن يحب، فإن زاد ما يعطيه على ما يأخذه يحس بالخسارة. وعندما نتبادل الحب في الله فلا شيء ينقص عند الله أبدا لأنه سبحانه يعطي الاثنين معا اللذين يتحابان فيه. وسبحانه العليم أزلا، وصاحب القدرة الذي يعطي كل إنسان المناط الذي يستحقه. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٩٠