أنت الحبيب ولكني أعوذ به
من أن أكون محبا غير محبوب
وشقاء المحبين إنما يأتي من أن العاشق يحب أحدا، وهذا الحبيب لا يبادله الحب لذلك يظل العاشق باكيا طوال عمره. ولنا أن نلحظ أن حب الله هو السابق في هذا القول الكريم: ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ لأن هذه هي صفة الانكشاف للعلم، لقد علم الحق أنهم سيتجهون إليه فأحبهم، وعندما جاءوا فعلوا ما جعلهم محبوبين لله، ثم ما هو الحب؟. إنه ودادة القلب. وقلنا الكثير من قبل في أمر ودادة القلب. ونعرف أن هناك لونا من الحب يتحكم فيه العقل. ولونا آخر من الحب لا يتحكم فيه العقل ولكن تتحكم فيه العاطفة. ومثال هذا عندما نذهب إلى طبيب ويصف لنا دواء مرا غير مستساغ الطعم، ونجد الإنسان الموصوف له الدواء يذهب إلى الصيدلية للسؤال عن الدواء، فإن لم يجده فهو يلف ويدور ويسأل في كل صيدليات البلد فإن لم يجده فهو يوصي المسافر إلى الخارج لعله يأتي له بالدواء. وإذا جاء له صديق بهذا الدواء فهو يمتلئ بالامتنان بالسرور. أيقبل المريض على الدواء غير المستساغ بعاطفته أم بعقله؟ إنه يقبل على الدواء غير المستساغ الطعم ويحبه بعقله. والحب العقلي - إذن - هو إيثار النافع.
ومثال ذلك نجد الوالد لابن غبي يحب ابنا ذكيا لإنسان غيره. الوالد - هنا - يحب ابنه الغبي بعاطفته. ولكنه يحب ابن جاره لأنه يمتلك رصيدا من الذكاء. إذن هناك حب عقلي وحب عاطفي. وهذا ما يحدث في المجال البشري لكن بالنسبة لله فلا. وعندما يقول الحق: ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ أي أنهم يحبون الله بعقولهم، وقد يتسامى الحب إلى أن يصير بعاطفتهم، وقد يجرب ذلك حين يجري الله على أناس أشياء هي شر في ظاهرها، ولكنهم يظلون على عشق لله. ومعنى ذلك أن حبهم لله انتقل من عقولهم إلى عاطفتهم. وسيدنا عمر جرى معه حل هذا الإشكال. كيف؟ لقد قال صلى الله عليه وسلم:
" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ".
وهناك من قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه أحب إليه من ماله وولده لكن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: أنت أحب إلي من مالي وولدي أما نفسي فلا وأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم القول:
" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ".
وهنا علم عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصد الحب العقلي لأن عمر رضي الله عنه علم أيضا أن الحب العاطفي لا يكلف به، ولذلك قال عمر: الآن أحبك عن نفسي، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر. أي كأنه في هذه اللحظة قد اكتمل إيمان عمر. إذن فحب الله لا تقل فيه أيها المؤمن هل هو حب عقلي أو حب عاطفي؟ لأن المراد بحب الإله هو دوام فيوضاته على من يحب، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فالحق يلقاه في أحضان نعمه ويتجلى عليه برؤيته:
للذين أحسنوا الحسنى وزيادة
[يونس: 26] والحسنى هي الجنة. أما الزيادة فقد قال المفسرون: إنها رؤية المحسن. ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ وعندما يقول الحق: " فسوف " فلنعلم أن ما يأتي بعدها هو من إعلامات النبوة التي جاءت على لسان محمد في قرآن الله لأن ذلك الأمر قد حدث كما جاء في قرآن الله، فقد ارتد قوم وانقسموا في الردة إلى قسمين قسم ارتد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقسم ارتد على عهد أبي بكر، ومنهم من ارتد على عهد عمر. وحين تنظر إلى ما بعد " سوف " لا بد أن تعرف أن هناك امتدادا زمنيا. وأول الارتداد كان في اليمن، وكان ذلك بعد حجة الوداع وفي حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وكان في اليمن كاهن مشعوذ اسمه عبهلة بن كعب، ويقال له: ذو الخمار، أو ذو الحمار في رواية أخرى، وهو الذي يعرف في كتب التاريخ الإسلامي باسم الأسود العنسي.
هو أحد الكذابين اللذين ذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: