ويوم أن يتعرض أحد لقوافل قريش فعليه أن ينتظر العقاب له أو لقبيلته، إذن فالبيت الحرام هو الذي أوجد لهم تلك المهابة لذلك ينبههم الحق إلى ذلك عندما قال في سورة الفيل:
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول
[الفيل: 1-5] وقد تم وعيد الله لأصحاب الفيل، لأنهم أرادوا هدم بيت الله الحرام. ثم يتبع الحق سورة الفيل بقوله في سورة قريش
لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف
[قريش: 1-2] ليوضح سبحانه أنه من ضمن أسباب صيانة بيت الله الحرام أن حفظ سبحانه لقريش الأمان في رحلة الشتاء والصيف، ولو انهدم البيت الذي يحقق لقريش السيادة لهجم الناس على القرشيين من كل جانب لأنه القائل في شأن من قصدهم لهدم بيت الله الحرام.
فجعلهم كعصف مأكول
[الفيل: 5]
لإيلاف قريش
[قريش: 1] وما دامت تلك المسألة قد صنعها الله لقريش، فلا بد لهم من عبادة رب هذا البيت:
فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف
[قريش: 3-4] إذن فقريش أخذت السيادة بين العرب بمكانة البيت، وأخذت السيادة أيضا في اللغة، وكانت كل أسواق العرب تعقد هناك، وأشهرها سوق عكاظ، وكان ينصب في قريش خلاصة اللغات الجميلة من القبائل المختلفة. وهكذا أخذت اللغة المصفاة المنتقاة، فكل شاعر كان يقدم أفضل ما عنده من شعر. وكل خطيب كان يأتي بأحسن ما عنده من خطب. وبذلك كانت قريش تسمع أجود الكلمات. ولهذا كانت اللغة التي عندهم هي اللغة العالية. ولذلك عندما جيء لزمن كتابة القرآن كانت الوصية: إن اختلف عليكم شيء فاكتبوه بلغة قريش لأن لغة قريش أخذت من اللغات محاسنها. وبنو تميم والحجاز كانوا مختلفين في بعض الأشياء. ولذلك كنا نسمع - عندما نتعلم الإعراب - قول المعلم وهو يسألنا: هل " ما " حجازية أو تميمية؟ وهذا يدلنا على أن هناك خلافا بين النطق في القبيلتين. وفي الآية التي نحن بصددها ندغم ونقول: ﴿ من يرتد ﴾ وفي آية البقرة ننطقها دون إدغام فنقول: " ومن يرتدد ". وكأن الحق جاء بآية على لغة الحجاز وآية على لغة تميم، وذلك برهان جديد على أن القرآن لم يأت ليحقق سيادة لقريش، إنما هو للناس كافة لذلك نجد من كل لهجة كلمة، ليتضح أن القرآن لعموم الناس جميعهم. وعندما نقرأ قول الحق: ﴿ من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ [المائدة: 54] نعلم أنه سبحانه يعلمنا أنه قادر على أن يأتي بأهل إيمان غير الذين ارتدوا عنه، تماما كما أخبرنا من قبل:
ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون
[البقرة: 217] والقول هنا: خبر عن مصير المرتد إلى جهنم بعد أن تقوم الساعة. ولكن القول: ﴿ من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ يدل على أن إجراء سيحدث قبل أن تقوم القيامة. ومن ذا الذي يستطيع أن يتصور أن إلها ينزل قرآنا يتحدى به ثم يأتي في القرآن بقضية مازالت في الغيب ويجازف بها، إن لم تكن ستقع؟. والحق يقول: ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ و " سوف " تخبرنا بموقف قادم سيأتي من بعد ذلك. ونقول هنا: من الذي يستطيع أن يتحكم في اختيارات الناس للإيمان؟. لا أحد يستطيع أن يتحكم في اختيارات الناس للإيمان إلا الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يتحكم ويحكم ويخبرنا بأنه سوف يأتي أناس يؤمنون بدلا من المرتدين. أما إن ارتد أناس، وانتظروا أن يروا البديل لهم، ولم يأت فماذا يكون الأمر؟ لا بد أن تنصرف الناس عن الدين. ولم يكن الحق ليجازف ويجري على لسان محمد بأن قوما سيرتدون وهو لا يعلم أيأتي قوم مرتدون؟ والعلم جاء في هذه الآية كما جاء في كل القرآن من الله جل وعلا. وقد قالها الحق قضية كونية: ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾. وهل هناك قوم يحبهم الله وهم لا يحبونه؟ ونقول: إن هذا لا يحدث مع الله، وإن كان يحدث في الحياة البشرية مثلما قال الشاعر العربي: