ونسخ هذا الشرع وجاءت آية حد السرقة تأكيدا للنسخ. وإن لم يكن قد نسخ فهذه الآية هي بداية للنسخ. ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ﴾. والسنة هي التي تبين لنا كيفية القطع، وكان القطع لليد اليمنى لأنها عادة التي تباشر مثل ذلك العمل. وفي إحدى رحلاتي إلى أمريكا، حدثني أخ مسلم ضمن جماعة تحضر إحدى محاضراتي وقال: إن التيمن يجب أن يكون في كل شيء، فلماذا يأكل البعض بيده اليسرى؟ قلت: إن هذه مسألة تكوينية بدليل أن بعض الناس أجهزتها تختلف، فليست المسألة ميكانيكية. وأضفت: إن من خيبة بعض الاختراعات البشرية أنها لا تخطئ كالحاسب الآلي. ولو كان ينتقي ويختار لأمكن أن يخطئ، أما العقل فهو يعرف الانتقاء. وقلت: إنني أطلب من السائل أن يقف. فلما وقف طلبت منه أن يتقدم جهتي فلما تقدم جهتي مد رجله اليمنى، فقلت تعليقا على هذا: " إنه تكوين خلقي ". ولذلك فالذي عنده ولد تتأبى عليه يمينه فإياك أن ترغمه على ذلك لأن مثل هذه العملية أرادها الخالق لتشذ في الخلق، ولتظهر قدرة الخالق. فلا داعي لقهر الابن الذي تتأبى عليه يمينه لأن العلماء قالوا إن مراكز السيطرة ليست في اليد ولكن في المخ. وقد أوجد الحق تلك الأمور في الكون حتى نفهم أن خالق الكون لم يخلق الكون وتركه بسننه، لا. إنه يخرق السنن كلما أراد. لكن لو تأبى إنسان على استعمال اليد اليمنى في الأكل مثلا وهو قادر على ذلك فإنه يكون مخالفا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومجافيا للفطرة. ﴿ فاقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا ﴾ وإذا سمعنا كلمة " كسب " فهي تعني الأخذ لأكثر من رأس المال. والسارق يكسب السيئة لأنه أخذ ما فوق الضرورة. والنكال: العقاب أو هو العبرة المانعة من وقوع الجرم سواء لمن ارتكب الجريمة وكذلك لمن يراها. والحق يقول عن بعض الأمور:
وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين
[النور: 2] وضرورة الإعلان عن تنفيذ عقوبة الفعل المؤثم من أجل الاعتبار والعظة، فالتشريع ليس من بشر لبشر، إنما تشريع خالق لمخلوق. والخالق هو الذي صنع الصنعة فلا تتعالم على خالق الصنعة. والشريعة لا تقرر مثل هذا العقاب رغبة في قطع الأيدي، بل تريد أن تمنع قطع الأيادي. وإن ظل التشريع على الورق دون تطبيق فلن يرتدع أحد. والذين قالوا " قطع الأيدي فعل وحشي " ، نقول لهم: إن يدا واحدة قطعت في السعودية فامتنعت كل سرقة. وإذا كان القتل أنفى للقتل فالقطع أنفى للقطع، أما عن مسألة التشويه التي يطنطنون بها فحادثة سيارة واحدة تشوه عددا من الناس وكذلك حادثة انفجار لأنبوبة " بوتوجاز " تفعل أكثر من ذلك.
فلا تنظروا إلى القصاص مفصولا عن السرقة إن انتشرت في المجتمع. وإبطاء القائمين على الأمر للإجراءات التي يترتب عليها العقوبات ينسي المجتمع بشاعة الجريمة الأولى، وعندما يحين وقت محاكمة المجرم تكون الرحمة موجودة. لكن إن وقع العقاب ساعة الجرم تنته المسألة. وساعة يسمع اللصوص أننا سنقطع يد السارق، سيفكر كل منهم قبل أن يسرق ولا يرتكب الجرم لأن المراد من الجزاء العبرة والعظة ومقصد من مقاصد التربية وتذكرة للإنسان بمطلوبات الله عنده إن أخذته الغفلة في سياسة الحياة فالجزاء هنا نكالا أي عقابا و " نكولا " وهو الرجوع عن فعل الذنب أي العبرة المانعة من وقوع الجرم. فكأن الجزاء كان المقصود منه أن يرى الإنسان من قطعت يده فيمتنع عن التفكير في مثل ما آلت إليه هذه الحالة. أو أن يحافظ الذي قطعت يده على ما بقى من جوارحه الباقية لأنه قد قطعت يمينه وإن عاد قطعت يساره، فإن عاد قطعت رجله اليمنى ثم إن عاد قطعت رجله اليسرى ويكون النكال لمنع الرجوع للجريمة، وهو إما رجوع ممن رأى العقوبة تقع على السارق أو الرجوع من السارق نفسه إن رأى أي جارحة من جوارحه قد نقصت. فيحرص أن تظل الجوارح الباقية له. ويعامل الحق خلقه بسنة كونية هي: أن من يأخذ غير حقه يحرم من حقه. ومثال ذلك قوم من بني إسرائيل قال الله حكما فيهم: لقد استحللتم ما حرمته عليكم فلا جزاء لكم إلا أن أضيق عليكم وأحرم عليكم ما أحللت لكم. فقال: