تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" اشتر طعاما لك ولأسرتك "

وكان الدرهم - كما قلنا - يكفي في ذلك الزمن. والدرهم جزء من اثني عشر جزءا من الدينار، فربع الدينار ثلاثة دراهم، والدرهم يساوي في زمننا هذا أكثر من عشرين جنيها. والسطحيون يقولون: إن سيدنا عمر ألغى حد السرقة في عام الرمادة ونقول لهم: لا، لم يسقط عمر بن الخطاب الحد، فالحد باق ولكنه لم يدخل الحادثة التي حصلت فيما يوجب الحد. والحادثة التي حدثت في عام الرمادة أو عام الجوع هي وجود الشبهة. وبفطنته كأول أمير للمؤمنين، لم يدخل الحوادث فيما يوجب الحد. وفي مسألة عبدالرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة. عندما سرق غلمانه، فماذا حدث؟ قال الغلمان لعمر: كنا جوعى ولم يكن ابن أبي بلتعة يعطينا الطعام. ودرأ سيدنا عمر الحد بالشبهة. إذن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي حركة المتحرك وثمرة حركة المتحرك.، لكن بعض السطحيين في الفهم يقولون مثل ما قال المعري:

يد بخمس مئين عسجد وديت

ما بالها قطعت في ربع دينار

تناقض ما لنا إلا السكوت له

وأن نعوذ بمولانا من النار

وهنا رد عليه العالم المؤمن فقال: أنت تعترض لأننا نعطي دية اليد خمسمائة دينار، وعندما يسرق إنسان. نقطع يد السارق لأنها أخذت ربع دينار. وقال العالم المؤمن:

عز الأمانة أغلاها وأرخصها

ذل الخيانة فافهم حكمة الباري

ونلاحظ أن التشريعات الجنائية وتشريعات العقوبات ليست تشريعات بشرية، لكنها تشريعات في منتهى الدقة.

بالله لو أن مقننا يقنن للسارق أو السارقة، ويقنن للزاني والزانية ماذا يكون الموقف؟ إن الذي يتكلم هو رب العالمين، فقال هنا: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ﴾. والسرقة عادة ما تكون رغبة في الحاجة وهي غالبا ما تكون من عمل الرجل. أما في الزاني والزانية، فلو أن الرجل لم يهيج ويستثر بجمال امرأة لما فكر في الزنا. إذن فهي صاحبة البداية. وينص سبحانه على العقوبة وجاء بالحكمة. وعندما يشرع للقصاص وهي الحالة التي يغلي فيها دم أقارب القتيل، فيقول:

فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان

[البقرة: 178] ولنر الحنان الموجود في كلمة " أخيه ". ولا نجد تقنينا يدخل التحنين بين سطوره، إلا تقنين الرب الذي خلق الإنسان وهو أعلم به. ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴾. هذا ما انتهى إليه حد السرقة في تشريعات السماء، وحتى في زمن سيدنا موسى كان السارق يسترق بسرقته أي يتحول الحر إلى عبد نتيجة سرقته. ولذلك نلاحظ ونحن نقرأ سورة سيدنا يوسف:

فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه

[يوسف: 70] و " السقاية " هي الإناء الذي كان يشرب فيه الملك، وكان اسمها " صواع الملك " وأخذوها ليكيلوا بها. وبعد أن جعل السقاية في رحل أخيه، ماذا حدث؟

ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون * قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون * قالوا نفقد صواع الملك ولمن جآء به حمل بعير وأنا به زعيم

[يوسف: 70-72] وهنا قال إخوة يوسف بأنهم لم يأتوا ليفسدوا في الأرض، لذلك ترك لهم يوسف الأسلوب في تحديد الجزاء، ولم يحاكمهم بشرع الملك:

قالوا جزآؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين

[يوسف: 75] لقد جعلهم يعترفون، ويحاكمهم حسب شريعتهم لأن شرع الملك أن من يسرق شيئا عليه أن يغرم ضعفي ما أخذ. وهذا ما يوضح معنى قول الحق سبحانه وتعالى:

كذلك كدنا ليوسف

[يوسف: 76] أي أنها حيلة ليستبقي يوسف أخاه معه. ولو استعمل قانون مصر في ذلك الزمن لما أخذ أخاه معه. وهذا كيد لصالح يوسف لأن " اللام " تفيد الملكية أو النفعية. وأضاف إخوة يوسف قائلين:

قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه

[يوسف: 77] ولماذا قالوا ذلك؟ أصل هذه المسألة أن يوسف كان يحيا عند عمته. وعندما كبر وأرادوا أن يأخذوه أرادت العمة أن تستبقيه فدست في متاعه تمثالا. أو منطقة كانت لها من أبيها إسحاق وادعت أنها فقدت ذلك ففتشوا الولد فعثروا معه على الشيء الذي ادعت عمته سرقته فاستبقته بشرع بني إسرائيل. وكان جزاء السرقة في الشريعة هو الاسترقاق.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٤٣