تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكأن الفساد في الأرض - أيضا - يؤهل لقتل النفس: ﴿ من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ﴾. أي أن القتل بغير إفساد في الأرض هو القتل الذي يستحق العقاب. أما القتل بإفساد في الأرض فذلك أمر آخر لأن هناك فارقا بين أن يقتل قصاصا أو أن يقتل حدا من المشرع وحتى عفو صاحب الدم عن القاتل في الحرابة وقطع الطريق لا يشفع في ذلك ولا يسقط الحد عن الذي فعل ذلك لأنها جريمة ضد المجتمع كله. ويتابع سبحانه: ﴿ ولقد جآءتهم رسلنا بالبينت ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ﴾ والمسرف هو المتجاوز للحد، وهو من لا يأخذ قدر تكوينه وموقعه في الوجود، بل يحاول أن يخرج عن قدر إمكاناته في الوجود. مثال ذلك: رجل حاول أن يسطو على حق غيره في الوجود متخطيا منزلة الاعتدال فلا يأخذ حقه فقط. مثل قطاع الطريق أو النهابين يأخذون عرق غيرهم وتعودوا أن يعيشوا كذلك وبراحة. والمصيبة لا تكون في قاطع الطريق وحده، ولكن تتعداه إلى المجتمع. فيقال: إن فلانا يجلس في منزله براحة وتكفيه ساعة بالليل ليسرق الناس. إن الأمر لا يقف عند حدود ذلك الإنسان إنما يتعداه إلى غيره. ويحيا من يملك مالا في رعب، وعندما يفجع في زائد ماله، يفقد الرغبة في أن يتحرك في الحياة حركة زائدة تنتج فائضا لأنه لا يشعر بالأمن والأمان. وعندئذ يفقد العاجز عن الحركة في المجتمع السند والعون من الذي كان يتحرك حركة أوسع. إذن من رحمة الله أنه فتح أمام البشر أبواب الآمال في التملك، مادام السعي إلى ذلك يتم بطرق مشروعة. ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى -: الرجل المرابي الذي يقرض محتاجا مائة جنيه، كيف يطلب المرابي زيادة ممن لا يجد شيئا يقيم به حياته؟ إنه بذلك يكون قد أعطى من وجد أزيد مما أخذ منه مع فقره وعجزه. إن ذلك هو الإسراف عينه. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ إنما جزآء الذين... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٢٩