تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا "

كذلك مثل القائم على حدود الله ومثل الواقع فيها، فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول لنا: لا تنظر إلى أن نفسا قتلت نفسا بغير حق، ولكن انظر إليها كأن القاتل قتل الناس جميعا لأن الناس جميعا متساوون في حق الحياة. ومادام القاتل قد اجترأ على واحد فمن الممكن أن يجترئ على الباقين. أو أن يكون فعله أسوة لغيره، ومادام قد استن مثل هذه السنة، سنجد كل من يغضب من آخر يقتله، وتظل السلسلة من القتلة والقتلى تتوالى. والحديث النبوي يقول:

" من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ".

إنه الاحتياط والدقة والقيد: ﴿ من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ﴾ ولو كان التشريع تشريعا بشريا فمرت عليه هذه المسألة يمكن أن يستدركها بعد ذلك بشرح أو تعديل، ولكن المشرع الأعلى لا يستدرك. ﴿ من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ﴾. فكأن من قتل نفسا بنفس أو بفساد في الأرض، لا يقال عليه: إنه قتل الناس جميعا، بل أحيا الناس جميعا لأن التجريم لأي فعل يعني مجيء النص الموضح أن هذا الفعل جريمة، وبعد ذلك نضع لهذه الجريمة عقوبة. ولا يمكن أن تأتي لواحد ارتكب فعلا وتقول له: أنا أؤاخذك به وأعاقبك عليه بغير أن يوجد نص بتجريم هذا الفعل. وهناك توجد قاعدة شرعية قانونية تقول: " لا تجريم إلا بنص ولا عقوبة إلا بتجريم ". أي أننا نرتب العقوبة على الجريمة، أو ساعة يجرم فعل يذكر بجانب التجريم العقوبة، فهل القصد هو عقاب مرتكب الجرم. لا إنما القصد هو تفظيع العقاب حتى يراه كل إنسان قبل أن يرتكب الجريمة، والهدف هو منع الجريمة، ولذلك تجد الحكمة البشرية القائلة: " القتل أنفى للقتل " ، وبطبيعة الحال لا يمكن أن ترقى تلك الحكمة إلى قول الحق:

ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب

[البقرة: 179] لأننا يمكن أن نتساءل: أي قتل أنفى للقتل؟. وسنجد أن المقصود بالحكمة ليس القتل الابتدائي ولكن قتل الاقتصاص. وهكذا نجد الأسلوب البشري قد فاتته اللمحة الفعالة في منع القتل الموجودة في قوله الحق: ﴿ من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ﴾.

وكلمة " أحياها " لها أكثر من معنى. وبالتحديد لها معنيان: المعنى الأول: أنه أبقى فيها الروح التي تحرك المادة، والمعنى الثاني: إحياء الروح الإيمانية، مصداقا لقول الحق:

استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم

[الأنفال: 24] ولنا أن نلتفت إلى أن الحق وضع الفساد في الأرض مستحقا لعقوبة القتل. والفساد هو إخراج الصالح عن صلاحيته، والمطلوب منا إيمانيا أن الأمر الصالح في ذاته علينا أن نبقيه صالحا، فإن استطعنا أن نزيده صلاحا فلنفعل وإن لم نستطع فلنتركه على صلاحه. ولماذا جاء الحق بعقاب للفساد في الأرض؟. مدلول الأرض: أنها المنطقة التي استخلف الحق فيها البشر، وساعة يقول الحق: ﴿ أو فساد في الأرض ﴾ فمعنى ذلك أن كل فساد عائد على كل مظروف في الأرض. وأول مظروف في الأرض أو السيد لها هو الإنسان. وعندما نفسد في الإنسان، فهذا معناه قتل الإنسان. إذن لا بد أن يكون الفساد في أشياء أخرى: هي الأكوان أو الأجناس الأخرى الحيوانات والنباتات والجمادات. والفساد في هذه الكائنات بكون بإخراجها عن مستحوزها ملكية، كأن تسطو جماعة على بضاعة إنسان آخر، أو أن يأخذ واحد ثمار زرع لأحد، أو أن يأخذ بعضا من إنتاج منجم منجنيز أو حديد أو خلافه. إن الفساد نوعان: فساد في الأرض وهو متعلق بالمظروف في الأرض، والمظروف في الأرض سيد وهو الإنسان، والفساد فيه قتله أو أن تسبب له اختلالا في أمنه النفسي كالقلق والاضطراب والخوف. ونلحظ أن الحق سبحانه قد امتن على قريش بأنه أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. إذن فمن الفساد تفزيع الناس وترويعهم وهو قسمان: قسم تفزع فيه من لك عنده ثأر أو بينك وبينه ضغينة أو بغض، أو أن تفزع قوما لا علاقة بينك وبينهم ولم يصنعوا معك شيئا. فمن يعتدي على إنسان بينه وبينه مشكله أو عداوة أو بغضاء، لا نسميه خارجا على الشريعة بأخذ حقه، ولكنه لا يستوفي في حقه بيده بل لا بد من حاكم يقوم بذلك كي ينضبط الأمر ويستقيم، إنه يخرج على الشريعة فقط في حالة العدوان. أما الذي يذهب للاعتداء على الناس ولم يكن بينه وبينهم عداء فهذه هي الحرابة. كأن يخرج ليقطع الطريق على الناس ويخيف كل من يلقاه ويسبب له القلق والرعب والخوف على نفسه وماله، والمال قد يكون من جنس الحيوان أو جنس النبات أو جنس الجماد. وذلك ما يسميه الشرع حرابة وستأتي لها آية مخصوصة. إذن. فالفساد في الأرض معناه إخراج صالح عن صلاحه مظروف في الأرض، والمظروف في الأرض سيده الإنسان، والإفساد فيه إما بقتله أو إهاجته وإشاعة الرعب فيه، وإما بشيء مملوك له من الأشياء التي دونه في الجنسية مثل الزروع أو النباتات أو الحيوانات.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٢٨