ومن كل شيء خلقنا زوجين
[الذاريات: 49] فكل موجود أراد له الحق التكاثر فهو يخلق منه زوجين.
سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم
[يس: 36] ونرى ذلك حين نقوم بتلقيح النخلة من طلع ذكر النخل. وهناك بعض الكائنات لا نعرف لها ذكرا وأنثى إما لأن الذكر غير موجود تحت أعيننا، ولكن يوجد على بعد والريح هي التي تحمل حبوب التلقيح:
وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السمآء ماء
[الحجر: 22] فتأتي الريح بحبوب التلقيح من أي مكان لتخصب النبات، وإما أن الذكورة والأنوثة يوجدان معا في شيء واحد أو حيز واحد، مثال ذلك عود الذرة حيث نجد ذكورته وأنوثته في شيء واحد فقمة العود فيها الذكورة ويخرج من كل " كوز " ذرة قدرا من الخيوط الرفيعة التي نسميها " الشوشة ". وهذه هي حبال الأنوثة. وينقل الهواء طلع الذكورة من سنبلة الذرة إلى " الشوشة " ، وكل شعرة تأخذ من حبوب اللقاح كفايتها لتنضج الحبوب، وعندما تلتصق أوراق كوز الذرة ولا تسمح بخروج الخيوط الرفيعة لحبال الأنوثة، ولا تصلها حبوب اللقاح، فيخرج كوز الذرة بلا نضج وبلا حبوب ذرة. وعندما نمسك بكوز الذرة ونفتحه قد نجد بعضا من حبوبه ميتة وهي تلك التي لم تصلها حبوب اللقاح لأنها لم تملك خيطا من الحبال الرفيعة لتلتقط به حبوب اللقاح. وحبة الذرة التي لم يخرج لها خيط رفيع لالتقاط حبوب اللقاح لا تنضج. إذن فكل شيء فيه الذكورة والأنوثة.
سبحان الذي خلق الأزواج كلها
[يس: 36] وكذلك قوله: ﴿ وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ﴾. وكل ما يقال له شيء لا بد له من ذكر وأنثى، حتى المطر لا بد أن يلقح فلو لم يتم تلقيح المطر بالذرات لما نزل المطر، وحتى الحصى فيه ذرات موجبة وذرات سالبة. وعندما اخترعنا الكهرباء واكتشفنا الموجب والسالب ارتحنا. إذن فعندما يقول الحق:
ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون
[الذاريات: 49] وقوله سبحانه:
سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون
[يس: 36] وهذا أول علم للعرب، فلم يكونوا من قبل القرآن أمة علم. وقد أوصل القرآن كل العلم للعرب حتى فاقوا غيرهم، عندما أخذوا بأسباب الله، لكن عندما تراخوا وواصل غيرهم الأخذ بالأسباب تقدمت الاكتشافات، وهذه الاكتشافات نجدها مطمورة في القرآن:
سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون
[يس: 36] إذن فكل ما يجد ويحدث ويكتشف من شيء فيه موجب وسالب أي ذكورة وأنوثة يدخل في نطاق:
ومما لا يعلمون
[يس: 36] والإنسان سيد الوجود لا بد له من زوجين ذكر وأنثى للتكاثر لا للإيجاد، أما الإيجاد فهو لله سبحانه وتعالى الذي أوجد كل شيء من لا شيء.
وعندما جاء آدم وحواء وبدأ اللقاح والتكاثر أخذ عدد سكان الأرض في النمو. ولو أننا رجعنا بالأنسال في العالم كله رجعة متأخرة نجد العدد يقل إلى أن يصل إلى آدم وحواء. مثال ذلك لو عدنا إلى الوراء مائة عام لوجدنا تعداد مصر لا يتجاوز خمسة ملايين نسمة على الأكثر، ولو عدنا إلى الوراء قرونا أكثر فإن التعداد يقل، إلى أن نصل إلى الخلق الأول الذي خلقه الله وهو آدم وخلق له حواء. فالإنسان بمفرده لا يأتي بنسل. إذن عندما نجري عملية الإحصاء الإنسالي في العالم ونرجع بها إلى الوراء، نعود إلى الخلق الأول. وكذلك كل شيء متكاثر سواء أكان حيوانا أم نباتا. وعندما نسير بالإحصاء إلى الأمام سنجد الأعداد تتزايد، وتكون القفزة كبيرة. وعندما يبلغنا الحق أنه خلقنا من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، فإن علم الإحصاء إنما يؤكد ذلك. والتكاثر إنا يأتي بالتزاوج. والتزاوج جاء من آدم وحواء. وأراد الحق أن يرزق آدم بتوائم ليتزوج كل توأم بالتوأم المخالف له في النوع من الحمل المختلف. أي يتزوج الذكر من الأنثى التي لم تولد معه في بطن واحدة. وجاء ربنا لنا بهذه القصة كي يبين لنا أصل التكاثر بيانا رمزيا. أوضح سبحانه: أن التباعد الزوجي كان موجودا، ولكنه التباعد الإضافي، صحيح سيكون هذا الولد أخا للبنت هذه، وهذه البنت أخته لكن حين تكون مولودة مع هذا، وتأتي بطن ثان فيها ذكر وأنثى، فسيكون فيها بعد إضافي، فتتزوج البنت لهذا البطن بالذكر في البطن الثاني. والذكر للبطن الثاني للبنت في البطن الآخر، وهذا هو البعد الإضافي الذي كان متاحا في ذلك الوقت لأن العالم كان لا يزال في بداية طفولته الواهية. ونلحظ مثل هذا الأمر في الريف، حين يقول فلاح آخر: " الذرة بتاعك خايب " ، يقول الفلاح الثاني: إني آخذ من الأرض التي أخذت منها الذرة وأعطيها تقاوى منها، فأنا قد زرعت فدانا من ذرة، وأحجز كيلتين أو ثلاثا أستخدمها تقاوى لأزرعها، فتخرج الذرة ضعيفة، فيقول الفلاح الناضج: يا شيخ هات من ذرة جارك. فيكون ذرة جاري فيه شيء من البعد. وبعد ذلك تصير النوعية واحدة، فيقول الفلاح الناضج: هات من بلد أخرى. وبعد ذلك من بلد ثالثة، ولذلك فالتهجين والتكاثر كيف نشأ؟ من أين نأتي بالتقاوى؟ كلما جئنا بها من الخارج يكون الناتج قويا. كذلك التزاوج ليكون في هذه الزوجية مواهب، ولذلك فطن العربي قديما لها، ومن العجيب أن هذا العربي البدوي الذي لم يشتغل بثقافة ولم نعرف له تعليما ولا علما، يهتدي إلى مثل هذه الحقيقة اهتداء يجعلها قضية عامة فطرية.