تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الإسراء: 4-5] إذن فالحق هنا لم يأت بذكر المسجد في أول مرة. فكيف يكون دخولنا المسجد إذن؟. لقد دخلنا المسجد الأقصى أول مرة في الامتداد الإسلامي في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه. والمسجد الأقصى أيام عمر بن الخطاب لم يكن في نطاق بني إسرائيل، ولكن كان في نطاق الدولة الرومانية، فدخولنا المسجد أول مرة لم يكن نكاية فيهم. ولكن الحق جاء بالمرة الثانية هنا والمسجد في نطاق سيطرة بني إسرائيل.

وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة

[الإسراء: 7] سنكون نحن إذن عبادا لله ذوي البأس الشديد الذين سندخل المسجد الأقصى كما دخلناه أول مرة، وجاء الحق سبحانه بالمسجد هنا لأن دخول المسجد أول مرة لم يكن إذلالا لليهود، فقد كانت السلطة السياسية في ذلك الزمن تتبع - كما قلنا - الدولة الرومانية. ويضيف الحق من بعد ذلك:

وليتبروا ما علوا تتبيرا

[الإسراء: 7] وحتى نتبر ما يعلونه - أي نجعله خرابا - لابد أن تمر مدة ليعلوا في البنيان. وعلينا أن نعد أنفسنا لنكون عبادا لله لنعيش وعد الآخرة وقد جعلها الله وعدا تشريعيا، فإذا عدنا عبادا لله فسندخل المسجد ونتبر ما علوا تتبيرا، والحق سبحانه وتعالى في آيات سورة المائدة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يأتي بلقطة عن بلاغه لسيدنا موسى بعد خروجه مع قومه من مصر، فقال: ﴿ ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ﴾ [المائدة: 21] وقلنا إن الكتابة هنا تشريعية وليست كونية، فلو كان الأمر كونيا لدخلوا الأرض المقدسة بدون عقبات وبدون صراع وبدون قتال.

والدليل على أن الكتابة تشريعية هو قوله الحق: ﴿ ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ﴾ أي أنكم إن ارتددتم على أدباركم انقلبتم خاسرين. فإن أطعتم الله ودخلتم الأرض دون إدبار، فستدخلون الأرض، وإن لم تفعلوا فلن تدخلوها. إذن ليست كتابة الأرض هنا كونية، ولكنها تشريعية. وقوله الحق: ﴿ ولا ترتدوا على أدباركم ﴾ يشرح لنا طبيعة مواجهة الخصم فالإنسان حين يواجه خصمه فهو يواجهه بوجهه. فإن فر الخصم من أمامه فهو يولي أدباره. والتولي على الأدبار يكون على لونين: لون هو الإدبار من أجل أن ينحرف الإنسان إلى جماعة وفئة لتشتد قوتهم ويقووا على هزيمة العدو أو يصنع مكيدة ليعيد مواجهة الخصم، ولون آخر وهو الفرار وذلك مذموم، ومن المعاصي الموبقات المهلكات. وفي ذلك يقول الحق سبحانه:

ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله

[الأنفال: 16] فالارتداد على الأدبار ليس مذموما إن كان من أجل حيلة أو صنع كمين للعدو. وفي هذه الحالة لا بأس أن يرتد الإنسان، أما خلاف ذلك فهو مذموم. وهل الارتداد على الأدبار رجوع بالظهر إلى الوراء مع الاحتفاظ بالوجه في مواجهة الخصم؟. أو هو التفات بالوجه ناحية الدبر وفرار من العدو؟. كلا الأمرين يصح. وقد جاء الأمر إلى بني إسرائيل بعدم الفرار ليدخلوا الأرض فماذا كان موقفهم مادامت الكتابة لهذا الأمر تشريعية؟.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣١٤