فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا
[الإسراء: 5] ولنا أن نسأل: وهل لم يفسد بنو إسرائيل في الأرض إلا مرتين؟. لا، لولا أنهم لم يفسدوا في الأرض سوى مرتين، لكان ذلك بالقياس إلى مافعلوه أمرا طيبا فقد أفسدوا أكثر من ذلك بكثير. ولابد أن يكون إفسادهم في الأرض المقصودة هو الفساد الذي صنعوه بالأرض التي كانت في حضانة الإسلام، وسبحانه قد قال: ﴿ بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي بأس شديد ﴾ فمادام يوجد " عباد الله " خالصوا الإيمان وأعدوا العدة فلا بد أن يتحقق وعد الله، لكن إذا ما تخلى الناس عن هذا الوصف فعلى الناس الذين يعانون من إفساد بني إسرائيل أن يتلقوا ما قاله الله:
ثم رددنا لكم الكرة عليهم
[الإسراء: 6] فكأن الكرة لا ترد إلا إذا كان القوم المؤمنون على غير مطلوب الإيمان. فإذا ما تساءل بعض المؤمنين: ولماذا تجعل يا الله الكرة لبني إسرائيل؟. تكون الإجابة: لأنكم أيها الناس قد تخلفتم عن مطلوب العبودية الخالصة لله. ومادمنا قد تخلفنا عن مفهوم " عباد الله " فلا بد أن تحدث لنا تلك السلسلة الطويلة التي نعرفها من عدوان بني إسرائيل. ونحن الآن في مواجهة اليهود في مرحلة قوله الحق:
ثم رددنا لكم الكرة عليهم
[الإسراء: 6] فإذا كنا عبادا لله فلن يتمكنوا منا. والله سبحانه وتعالى حينما يتكلم بقضية قرآنية فلا بد أن تأتي القضية الكونية مصدقة لها. ولو استمر الأمر دون كرة من اليهود علينا، بينما نحن قد ابتعدنا عن منهجنا وأصبح كل يتبع هواه، لكانت القضية القرآنية غير ثابتة. ولكن لا بد من أن تأتي أحداث الكون مطابقة للقضية القرآنية. ولذلك رأينا أن بعض العارفين الذين نعتقد قربهم من الله حينما جاء أحدهم خبر دخول اليهود بيت المقدس سجد لله. فقلنا: " أتسجد لله على دخول اليهود بيت المقدس ". فقال: نعم. صدق ربنا لأنه قد قال: ﴿ وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ﴾ هكذا قال الحق، وهل يكون دخول لثاني مرة إلا إذا كان هناك خروج من أول مرة؟. لقد حمد ذلك العارف بالله ربنا لأن قضايا القرآن تتأكد بالكونيات، فإذا ما قال الحق:
رددنا لكم الكرة
[الإسراء: 6] فليست المسألة أنهم لكونهم يهودا لا يعطيهم الله الكرة. ولكن القضية هي أننا عندما نكون عبادا لله حقيقة.. اعتقادا وسلوكا.. قولا وعملا ننتصر عليهم.
ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا
[الإسراء: 6] وهم أغنياء لأنهم يديرون معظم حركة المال في العالم المعاصر.
ولأنهم جميعا في الجيش المدافع عن دولتهم. وذلك معنى بنين وأكثر نفيرا. النفير هو ما يستنفره الإنسان لنجدته لأن قوة ذاته قاصرة عن الفعل. واليهود ليسوا قوة ذاتية بمفرد دولتهم، ولكن وراءهم أهم قوى في العالم المعاصر. إذن فقوله الحق:
وأمددناكم بأموال
[الإسراء: 6] قول صدق وحق. وقوله الحق:
وبنين
[الإسراء: 6] قول صدق وحق. وقوله الحق:
وجعلناكم أكثر نفيرا
[الإسراء: 6] قول صدق وحق. ثم بعد ذلك يحسم الله قضيته ويقول لليهود:
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها
[الإسراء: 7] وهل تستمر الكرة يا رب؟. لا. فها هوذا الحق سبحانه يقول:
فإذا جآء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم
[الإسراء: 7] كأن الحق يعطينا البشارة بأننا سننتصر ويكون الانتصار مرهونا بتنفيذ القاعدة التي شرعها الله بأن نكون عبادا لله حقا، عندئذ سيكل الله لنا تنفيذ وعده لليهود:
ليسوءوا وجوهكم
[الإسراء: 7] وأشرف ما في الإنسان هو الوجه، وعندما نكون عبادا لله سنسوء وجوههم، وفوق ذلك:
وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا
[الإسراء: 7] ولم يأت الحق بذكر المسجد من قبل، فها هوذا قوله الكريم:
وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا