وقطعناهم في الأرض أمما
[الأعراف: 168] وحين يأتي القرآن بقضية قرآنية فلنبحث أأيدتها القضايا الكونية أم عارضتها؟ القضية القرآنية هنا هي تقطيع بني إسرائيل في الأرض أمما، أي تفريقهم وتشتيتهم ولم يقل القرآن: " أذبناهم " بل قال: " قطعناهم " وتفيد أنه جعل بينهم أوصالا ولكنهم مفرقون في البلاد. وعندما نراهم في أي بلد نزلوا فيها نجد أن لهم حيا مخصوصا، ولا يذوبون في المواطنين أبدا، ويكون لهم كل ما يخصهم من حاجات يستلقون بها، فكأنهم شائعون في الأرض وهم مقطعون في الأرض ولكنهم أمم، فهناك " حارات " وأماكن خاصة لليهود في كل بلد. حدث ذلك من بعد موسى عليه السلام، لكن ماذا كان الأمر في أيام موسى؟ قال لهم الحق: ﴿ ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ﴾ أي بعد رحلتكم مع فرعون اذهبوا إلى الأرض التي كتبها الله لكم.
ونلحظ هنا أن كلمة " الأرض المقدسة " فيها تحييز وتحديد للأرض. ولكن ما معنى " مقدسة "؟ المادة كلها تدل على الطهر والتطهير. ف " قدس " أي طهر ونزه، ومقدسة يعني مطهرة. والألفاظ حين تأتي تتوارد جميع المادة على معان متلاقية. ففي الريف المصري نجد ما نسميه " القدس " أو " القادوس " وهو الإناء الذي يرفع به الماء من الساقية، وكانوا يستعملونه للتطهير، فالقادوس في الريف المصري هو وعاء الماء النظيف. وعندما يقال: " مقدسة " أي مطهرة. إن من أسماء الحق " القدوس " ، ويقال: " قدس الله " أي نزه " ، فالله ذات وليست كذات الإنسان، وله سبحانه صفات منزهة أن تكون كصفاتك، وهو سبحانه له أفعال، ولكن قدسه وطهره منزهة أن تكون كأفعالك. فذات الحق واجبة الوجود وذات الإنسان ممكنة الوجود لأن ذات الإنسان طرأ عليها عدم أول، ويطرأ عليها عدم ثان، وهو سبحانه واجب الوجود لذاته، والإنسان واجب لغيره وهو قادر سبحانه أن ينهي وجود العبد. ولله حياة وللإنسان حياة، لكن أحياتك أيها الإنسان كحياة الله؟ لا. إن حياته سبحانه منزهة وذاته ليست كذاتك، وصفاته ليست كصفاتك، فأنت قادر قدرة محدودة وله سبحانه طلاقة القدرة، وهو سبحانه سميع والعبد سميع لكن سمع البشر محدود وسمعه سبحانه لا حدود له. إذن فصفاته مقدسة، ولذلك فعندما تسمع أنه سبحانه سميع عليم فليس سمعه كسمعنا، وله فعل غير فعلنا. وعندما يقول الحق: إنه فعل، ففعله منزه عن التشبيه بفعل البشر لأن البشر من خلق الله، وفعل البشر معالجة، ويكون للفعل بداية ووسط ونهاية ويفرغ من الأحداث على قدر الزمن. ونحن نحمل الأشياء في أزمان متعددة ويحتاج من يحمل الأشياء إلى قوة. ولكن فعل الحق مختلف، إنه فعل ب " كن " لذلك قال:
ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب
[ق: 38] أي أنه سبحانه وتعالى منزه عن التعب، فهو يقول: ﴿ كن فيكون ﴾ ولذلك قلنا في مسألة الإسراء: إننا يجب أن ننسب الحدث إلى الله لا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، حتى نعرف أن الذين عارضوا رسول الله في مسألة الإسراء كانوا على خطأ فقد قالوا: أنضرب لها أكباد الإبل شهرا وتدعي أنك أتيتها في ليلة؟! إن رسول الله لم يدع لنفسه هذا الأمر، لأنه لم يقل: " سريت من مكة إلى بيت المقدس " حتى تقولوا: " أنضرب لها أكباد الإبل شهرا وتدعي أنك أتيتها في ليلة ". لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: أسري بي. أي أنه صلى الله عليه وسلم ليس له فعل في الحدث.
والفعل إذن لله. ومادام هو من فعل الله فهو لا يحتاج إلى زمن لذلك كان يجب أن يفهموا على أي شيء يعترضون. ولكنا نعرف أن الله سبحانه وتعالى أراد لهم أن يفهموا على تلك الطريقة لأنه سيأتي أناس من المتحذلقين المعاصرين ويقولون: " إن الإسراء كان بالروح " نقول لهم: بالله لو قال محمد للعرب: أنا سريت بروحي أكانوا يكذبونه؟ تماما مثلما يقول لنا قائل: " أنا كنت في نيويورك الليلة ورأيتها في المنام " فهل سيكذبه أحد؟ لا. إذن لقد كذب العرب لأنهم فهموا أنه أسري به بمعنى كامل.. أي كان الإسراء بالجسد والروح معا، بدليل أنهم قارنوا فعلا بفعل، وحدثا بحدث، ونقلة بنقلة، وقالوا قولهم السابق. لقد جاءت هذه المسألة لتخدم الإسلام. إذن ف " قدوس " يعني مطهر ومنزه. وساعة ترى شيئا مخالفا لقضية العقل اقرنه بفعل الله، ولا تقرنه بفعلك أنت أيها العبد لأن الفعل يتناسب مع قوة الفاعل طردا أو عكسا. فإن كان الفاعل صاحب قدرة قوية. فزمنه أقل. مثال ذلك: نقل أردب من القمح من مكان إلى مكان، فإن كان الذي يحمل الأردب طفلا فلن ينقل الأردب إلا قدحا بقدح وإن كان رجلا ناضجا سينقل الأردب " كيلة بكيلة ". وإن كان صاحب قوة كبيرة قد ينقل الأردب كله مرة واحدة. إذن فالزمن يتناسب مع القوة تناسبا عكسيا. فإن كثرت القوة قل الزمن. وهات أي فعل بقدرة الله فلن يستغرق أي زمن. إذن قدس الله في كل شيء. والأرض المقدسة هي المطهرة، وذلك بإرادة الحق سبحانه، تماما كما أراد سبحانه أن تكون بقعة من الأرض هي الحرم، لا يتم فيها الاعتداء على صيد أو نبات أو اعتداء بعضكم على بعض، وهل ذلك كلام كوني أو كلام تشريعي؟