أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين
[المائدة: 54] أي لا تقل إنه طبع المؤمن على أن يكون ذليلا ولا طبعه ليكون عزيزا، بل طبعه ليكيف نفسه التكييف الذي يتطلبه المقام، فيكون مرة ذليلا للمؤمن وعزيزا على الكافر. وقال الإسلام لنا:
وكذلك جعلناكم أمة وسطا
[البقرة: 143] أي لا بد أن تعرف الطرفين أولا، ثم تحدد، لأن الوسط لا يعرف إلا بتحديد الطرفين فاليهودية بالغت في المادية، والنصرانية بالغت في الروحانية والبرهانية:
ورهبانية ابتدعوها
[الحديد: 27] وعندما سئل سيدنا عيسى عن مسألة ميراث قال: " أنا لم أبعث مورثا " لأنه جاء ليجدد الشحنة للطاقة الدينية، وبرغم الخلاف العميق بين اليهودية والنصرانية جاء أهل الفكر عندهم ليضعوا العهد القديم والعهد الجديد في كتاب واحد، ومع ذلك فقد جاء من اعتبر الإسلام خصما عنيفا عليهم على رغم أن الإسلام ليس خصما إنما جاء ليمنح الناس حرية الاختيار، وعندما ننظر إلى المنهج المادي والمنهج الروحاني تجد أن اليهود أسرفوا في المادية وقالوا:
لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة
[البقرة: 55] لقد أسرفوا في المادية لدرجة أن المسألة المتعلقة بقوتهم حينما كانوا في التيه وأنزل ربنا عليهم المن والسلوى، و " المن " كما نعرف طعام مثل كرات بيضاء ينزل من السماء على شجر أو حجر ينعقد ويجف جفاف الصمغ وهو حلو يؤكل وطعمه يقرب من عسل النحل، وجاء لهم الحق بالسلوى وهو طائر يشبه الدجاج وهو السماني فقالوا:
لن نصبر على طعام واحد
[البقرة: 61] إننا نريد مما تخرجه الأرض من بقلها، والذي دعاهم إلى غلوهم في الأمر المادي أنهم قالوا: قد لا يأتي المن، وقد لا نستطيع صيد الطير، نحن نريد أن نضمن الطعام. إذن فالغيبيات بعيدة عنهم فهم قد أسرفوا في هذه المادية وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يعدل هذا النظام المادي المتطرف فأنزل منهجية روحانية متمثلة في منهج عيسى عليه السلام، وشحنهم بمواجيد دينية ليس فيها حكم مادي، كي تلتحم هذه بتلك ويصير المنهج مستقيما، لكن الخلاف دب بينهم، فكان ولا بد أن يأتي دين جديد يجمع المادية المتعقلة الرزينة المتأنية، والروحانية المقسطة التي لا تفريط فيها ولا إفراط، إنها الروحانية المتلقاة من السماء دون ابتداع دين يأتي بالاثنتين في صلب دين واحد. فقال لنا:
محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود
[الفتح: 29] وهذه كلها قيم تعبدية. فيكون هؤلاء ماديين وروحانيين في آن واحد. ويتابع الحق:
ذلك مثلهم في التوراة
[الفتح: 29] كأن الله ضرب في التوراة مثلا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم: يا من أسرفتم في المادية سيأتي رسول ليعدل ميزان العقائد والتشريع، فتكون أمته مخالفة لكم تماما. فأنتم ماديون وقوم محمد ركع سجد، يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود. أي: ما فقدتموه أنتم في منهجكم سيوجد في أمة محمد. ويقول الحق:
ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار
[الفتح: 29] فمثلهم في التوراة ما فقد عند اليهود ومثلهم في الإنجيل ما فقد عند النصارى. إذن فدين محمد صلى الله عليه وسلم جمع بين القيم المادية والقيم الروحية فكان دينا وسطا بين الاثنين. فقال: ﴿ قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين ﴾ أي انتهزوا الفرصة لتصححوا أخطاءكم ولتستأنفوا حياة صافية تربطكم بالسماء رباطا يجمع بين دين قيمي يتطلب حركة الدنيا ويتطلب حركة الآخرة. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ يهدي به الله... ﴾.