تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي آية أخرى يقول:

يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم وأنزلنآ إليكم نورا مبينا

[النساء: 174] وهذا القول يدل على أن النور هنا هو " القرآن " وجمع بين أمرين برهان.. أي معجزة، ونور ينير لنا سبيلنا. ﴿ فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا ﴾ والإيمان بالله مسألة تطبيقية مرحلية. " الله " هو قمة الإيمان و " رسوله " هو المبلغ عن الله لأنه جاء لنا بالنور. إلا أن أهل الشطح يقولون: النور مقصود به النبي صلى الله عليه وسلم، ونقول: نحن لا نمانع أنه نور، وإن كان النص يحتمل أن يكون عطف تفسير، وحتى لا ندخل في متاهة مع بعض من يقولون: لا ليس الرسول نورا لأنه مأخوذ من المادة وسنجد من يرد عليهم بحديث جابر: ما أول ما خلق الله يا رسول الله؟ قال له: نور نبيك يا جابر. فعن جابر بن عبدالله قال: قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء. قال:

" يا جابر إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي ".

وحتى لا ندخل في مسألة غيبية لا تستوي الأذهان في استقبالها ونفتن بعضنا. ويقول فلان كذا ويقول علان كذا. هنا نقول: من تجلى له أن رسول الله نور، نور، نور، فليعرفها هو ويلزمها. وليس من المفروض أن يقنع بها أحدا كي لا ندخل في متاهة، وعندما يتعرض أحد لحديث جابر - رضي الله عنه - نسأل: أهو قال: أول خلق الله نبيك يا جابر أم نور نبيك يا جابر؟. قال الحديث: نور نبيك ولم يقل النبي نفسه الذي هو من لحم ودم، فمحمد صلى الله عليه وسلم من آدم وآدم من تراب لذلك ليس علينا أن نتناول المسائل التي لا يصل إليها إلا أهل الرياضيات المتفوقة، حتى لا تكون فتنة لأن من يقول لك: أنت تقول: النور هو رسول الله، ونقول: على العين والرأس، فرسول الله نور ولاشك لأن النور يعني ألا نصطدم، وجاء محمد صلى الله عليه وسلم بالمنهج كي ينير لنا الطريق، والقرآن منهج نظامي، والرسول منهج تطبيقي، فإن أخذت النور كي لا نصطدم، فالحق يقول:

لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة

[الأحزاب: 21] إذن فسنأخذ بالمنهج النظري الذي هو القرآن، ونأخذ بالمنهج التطبيقي. ﴿ قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين ﴾ و " مبين " أي محيط بكل أمر وكل شيء مصداقا لقوله الحق:

ما فرطنا في الكتاب من شيء

[الأنعام: 38] أي مما تختلف فيه أهواؤكم. وسئل الإمام محمد عبده، وهو في باريس: أنتم تقولون ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ فكم رغيفا في أردب الدقيق؟. فقال: انتظروا: واستدعى خبازا وسأله: كم رغيفا في أردب القمح؟. فقال له: كذا رغيف. فقالوا له: أنت تقول إنه في الكتاب. فقال لهم: الكتاب هو الذي قال لي:

فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون

[النحل: 43] إن قوله: ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ أي مما تختلف فيه الأهواء أو تفسد فيه حركة الحياة في الأرض. فربنا هو - سبحانه - جعل أناسا تتخصص في الموضوعات المختلفة. ﴿ قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين ﴾ يعني: يا أهل الكتاب انتبهوا إلى أن هذه فرصتكم لنصفي مسألة العقيدة في الأرض وننهي الخلاف الذي بين الدينين السابقين ونرجع إلى دين عام للناس جميعا، ولا تبقى في الأرض هذه العصبية حتى تتساند الحركات الإنسانية ولا تتعاند، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:

محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم

[الفتح: 29] انظر كيف يجمع الإسلام بين أمرين متناقضين: فلم يجيء الإسلام كي يطبع الإنسان ليكون شديدا لأن هناك مواقف شتى تتطلب الرحمة، ولم يطبعه على الرحمة المطلقة لأن هناك مواقف تتطلب الشدة، فلم يطبع الإنسان في قالب، ولكنه جعل المؤمن ينفعل للحدث. ويقول الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٠٢