والذين هم للزكاة فاعلون
[المؤمنون: 4] أي أن كل فعل للمؤمن يقصد منه أن يكفيه ويكفي أن يزكي منه. وهناك حق آخر في المال غير الزكاة بأن يسد به ولي الأمر ما يحتاج إليه المجتمع الإيماني بشرط أن يقيم ولي الأمر كل شرع الله. والزكاة هي إخراج المال على نحو مخصوص، أما الصدقة فهي غير محسوبة من الزكاة لكنها فوق الزكاة. وهناك القرض، وهو المال الذي تتعلق به النفس، لأن الإنسان يقدمه لغيره شريطة أن يرده، ولذلك قيل إن القرض أحسن من الصدقة، ذلك أن المقترض لا يقترض إلا عن حاجة، أما الذي تتصدق عليه فقد يكون غير محتاج، ويسأل دون حاجة، وأيضا لأن نفس المتصدق تخرج من الشيء المتصدق به ولا تتعلق به، أما الذي يقدم القرض فنفسه متعلقة بالقرض وكلما صبر عليه نال حسنة، وكلما قدم نظرة إلى ميسرة فهذا له أجر كبير، هكذا يكون القرض أحسن من الصدقة. فالحق يريد أن تفيض حركة الحياة بالكثير. وكيف يقول سبحانه: ﴿ وأقرضتم الله قرضا حسنا ﴾ وهو الواهب لكل النعم وهو الولي لكل النعم؟ وكيف يهب الحق للإنسان النعم، ثم يقول له: أقرضني؟ هو سبحانه وتعالى يحترم حركة الإنسان وعرقه مادام قد ضرب في الأرض وسعى فيها، فالمال مال الإنسان، ولكن أخا الإنسان قد يحتاج إليه، ولذلك فليقرضه ويعتبر سبحانه هذا قرضا من الإنسان لله. ونحن نجد عائل الأسرة يقول لأحد أبنائه: بما أنك تدخر من مصروف يدك فأعط أخاك ما يحتاج إليه واعتبر ذلك قرضا عندي، صحيح أن العائل هو الذي أعطى المال لكل من يعول، فما بالنا بالذي أوجدنا جميعا، وهو الحق سبحانه وتعالى؟ لقد وهب كلا منا ثمرة عمله واعتبر تلك الثمرة ملكا لصاحبها. ويعتبر فوق ذلك إقراض المحتاج إقراضا له. ويصف الحق القرض بأنه حسن حتى لا يكون فيه من، أو منفعة تعود على المقرض وإلا صار في القرض ربا. ولنا الأسوة الحسنة في أبي حنيفة عندما يجلس في ظل بيت صاحب له. واقترض صاحب هذا البيت من أبي حنيفة بعض المال.
وجاء اليوم التالي للقرض وجلس ابو حنيفة بعيدا عن ظل البيت، فسأله صاحب البيت لماذا؟ أجاب أبو حنيفة: خفت أن يكون ذلك لونا من الربا. فقال صاحب البيت: لكنك كنت تقعد قبل أن تقرضني. فقال أبو حنيفة: كنت أقعد وأنت المتفضل علي بظل بيتك فأخاف أن أقعد وأنا المتفضل عليك بالمال. والقرض الحسن هو الذي لا يشوبه من أو أذى أو منفعة ولأن القرض دين، وضع الحق القواعد:
إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه
[البقرة: 282] فالحق يحمي المقترض من نفسه لأنه إذا علم أن الدين مكتوب، يحاول جاهدا أن يتحرك في الحياة ليسد هذا الدين، ويستفيد المجتمع من حركته أيضا. وعندما يكتب القرض فهذا أمر دافع للسداد وحاث عليه. لكن إن لم يكتب القرض فقد يأتي ظرف من الظروف ويتناسى القرض. ولو حدث ذلك من شخص فلن تمتد له يد من بعد ذلك بالمعاونة في أي أزمة، فيريد الحق أن يديم الأسباب التي تتداول فيها الحركة، ولذلك يقال في الأمثلة العامية: من يأخذ ويعطي يصير المال ماله. ويكون مال الدنيا كلها معه، ولذلك يقول الحق:
ولا تسأموا أن تكتبوه
[البقرة: 282] وفي ذلك حماية للنفس من الأغيار، ولم يمنع الحق الأريحية الإيمانية فقال:
فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته
[البقرة: 283] وهكذا يحمي الله الحركة الاقتصادية. ونجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الرحيم بالمؤمنين، وقد بلغه أن واحدا قد مات وعليه دين، فقال للصحابة: صلوا على أخيكم. لكنه لم يصل على الميت. وتساءل الناس لماذا لم يصل رسول الله على هذا الميت وما ذنبه؟ كأن رسول الله أراد أن يعلم المؤمنين عن دين المدين فلم يمنع الصلاة، ولكنه لم يصل عليه حفزا للناس ودفعا لهم إلى أن يبرئوا ذمتهم بسداد وأداء ما عليهم من دين. وقال: