ولماذا حدث ذلك؟ لأن الفطرة المستلهمة بدون تدخل من أحد تنضح بالإيمان. وها نحن أولاء نرى الصحابة في العهد الأول حينما اضطهدوا في مكة وهاجروا هجرتهم الأولى إلى الحبشة هل ذهبوا إليها خبط عشواء؟ أو ذهبوا بتخطيط نبوي كريم؟ لقد درس النبي أولا الأرض التي تصلح لاستقبالهم ويقبلهم فيها أهلها كمهاجرين. ودرس النبي أوضاع الجزيرة العربية ووجد أن قريشا تتمكن من كل قبيلة في الجزيرة العربية عندما يأتي موسم الحج لذلك لن توجد القبيلة التي تحمي المهاجرين فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه ".
وبالفعل ذهب المسلمون إلى الحبشة مهاجرين. وحاولت قريش أن تسترد المسلمين من أرض النجاشي. وأرسلت قريش بعثة لاستردادهم ورفض النجاشي. وسمع النجاشي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلم أنه النبي الذي بشر به الإنجيل. ولاشك أن النجاشي قد أسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي عندما مات. وكان إسلام النجاشي مكافأة له من الله لأنه حمى المؤمنين بالله وبرسوله عنده. وما أعظم المكافأة التي نالها النجاشي أن يموت على الإسلام وأن يصلي عليه سيدنا رسول الله صلاة الغائب. إن كل هذا من كف أيدي الكافرين عن المؤمنين وعن رسول الله، ومن أجل أن يثبت الحق للجميع أن المؤمنين على حق وأن الله لن يخذلهم، فلا يخطر ببال المؤمنين أن عدوهم أقوى منهم فالله أقوى من خلقه: ﴿ فكف أيديهم عنكم ﴾ وكف أيدي الكافرين عن المؤمنين لأنه - سبحانه - يعد المؤمنين ليكونوا حملة منهجه إلى الخلق. ولذلك يجب أن يداوم المؤمنون على تكاليف الإيمان وتقوى الله ليكف الله أيدي الكافرين عنهم، فلا يتغلب كافر على مؤمن في لحظة من اللحظات إلا إذا كان المؤمن قد تخلى عن شيء في منهج الله لأن الحق لا يقول قضية قرآنية ثم يترك القضايا الكونية التي تحدث في الحياة لتنسخ هذه القضية القرآنية.
لقد قال:
وإن جندنا لهم الغالبون
[الصافات: 173] إذن فعندما ترى جندا من المسلمين قد انهزموا فلتعلم أنهم قد تخلوا عن منهج الله فتخلى الله عنهم، بدليل أن بعضا من المسلمين ساعة لم ينفذوا ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم غلبهم الكفار، فالله لا يغير سنته من أجل أناس نسبوا إليه ولم ينفذوا تعاليم منهجه. والحق يقول:
إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم
[محمد: 7] ويقول سبحانه:
فاذكروني أذكركم
[البقرة: 152] إنك إن انتسبت إلى الإسلام فيجب أن تنتسب إلى الإسلام بحق، وإن رأيت المؤمنين قد دخلوا معركة وانهزموا فلتبحث مصادر تخليهم عن منهج الحق، فسبحانه يقول:
وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لمآ أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين * وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين
[آل عمران: 146-148] لقد أصاب المقاتلين مع النبي شيء، فلم يضعفوا ولكنهم صبروا وطلبوا من الحق أن يغفر لهم ذنوبهم، لقد عرفوا مصادر ضعفهم واستعانوا بالله على هذا الضعف، فماذا فعل الله لهم؟. نصرهم سبحانه بأن آتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين. وكل ذلك السلوك الإيماني الذي يقي من الهزيمة وكيد العدو، هو من تقوى الله، حتى يظل المؤمنون في معية الله. وعندما يكون المسلم في معية الله لا يجرؤ خلق من خلق الله أن ينال منه. وننظر إلى الهجرة كمثال لذلك لنجد أن سيدنا أبا بكر كان حريصا على حماية النبي صلى الله عليه وسلم. فعن أنس بن مالك قال:
" لما كان ليلة الغار، قال أبو بكر: يا رسول الله دعني فلادخل قبلك فإن كانت حية أو شيء كانت لي قبلك. قال: ادخل، فدخل أبو بكر فجعل يلتمس بيديه فكلما رأى جحرا جاء بثوبه فشقه ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع، قال: فبقي جحر فوضع عقبه عليه ثم أدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما أصبح قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فأين ثوبك يا أبا بكر؟ " فأخبره بالذي صنع فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده فقال: " اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي يوم القيامة " فأوحى الله تعالى إليه " إن الله قد استجاب لك ".