ومادام سبحانه قد جاء بالباء، والباء في اللغة تحتمل معاني كثيرة لذلك فمن ذهب إلى واحدة منها تكفي، لأن أي غاية محتملة بالباء أمر صحيح. والأمر هنا أن يتفهم كل منفذ لحكم محتمل ألا يخطئ الحكم الآخر. بل عليه أن يقول: هذا هو مقدار فهمي لحكم الله. والله ترك لنا أن نفهم بمدلول الباء كما أرادها في اللغة. وقد خلقك الحق أيها الإنسان مقهورا لأشياء لا قدرة لك فيها كحركة الجوارح، وكالأشياء التي تصيب الإنسان كالموت. إن هناك أشياء أنت مخير فيها، ولذلك كان تكليف الحق لك مبنيا على هذا ففي أشياء يقول لك: " افعل كذا " أو " لا تفعل كذا " وفي أشياء أخرى يترك لك حرية التصرف في أدائها. وذلك حتى يتسق التكليف مع طبيعة التكوين الإنساني. فلم يصب الله الإنسان في قالب حديدي. ولنا في سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة هذا الرسول الذي أوكل إليه الحق إيضاح كل ما غمض من أمور الدين فقال له الحق:
وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون
[النحل: 44] وحينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين في غزوة الأحزاب التي قال عنها الحق:
هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا
[الأحزاب: 11] هذه المعركة كانت قاسية، حرك الحق فيها الريح وتفرق فيها أعداء الإسلام، وصرف الحق الأحزاب ورجع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وكان من المفروض أن يرتاح المؤمنون المقاتلون. لكن قبل أن يخلعوا ملابس الحرب جاء جبريل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم: فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله عز وجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل بهم. ف أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤذنا فأذن في الناس: " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم لا نصلي العصر حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي لم يرد منا ذلك فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف أحدا منهم ". هي مسألة كبرى إذن. والتزاما بأمر النبوة خرج الصحابة إلى مواقع بني قريظة. وكادت الشمس تغرب وهم في الطريق وانقسموا إلى قسمين قسم قال: ستغيب الشمس ولم نصل العصر فلنصله قبل أن تغيب الشمس. وقال القسم الثاني: لقد أمرنا النبي ألا نصلي العصر إلا في بني قريظة، ولن نصليه إلا هناك وإن غابت الشمس.
وصلى القسم الأول ولم يصل القسم الثاني. وعندما ذهبوا إلى المشرع وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا له الأمر لم يعب على أي جانب منهم شيئا، وأقر هذا وأقر ذاك. وتلك فطنة النبوة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن كل حدث من الأحداث يتطلب زمانا ويتطلب مكانا، والذين صلوا نظروا إلى عنصرية الزمن، وخافوا أن تغيب الشمس قبل ذلك. والذين لم يصلوا نظروا إلى عنصرية المكان فلم يصلوا العصر إلا في مواقع بني قريظة. وأقر رسول الله الأمرين معا. إن هذا يدلنا على أن هناك أشياء يتركها الحق قصدا دون تحديد قاطع لأنه يحبها على أي لون، مثال ذلك أن فعل من يمسح ربع رأسه في الوضوء جائز، وفعل من يمسح رأسه كلها جائز، وجاء الحق بالباء الصالحة لأي وجه من وجوه مسح الرأس، وكذلك شأن الخلافات في الأمور الاجتهادية. وإذا كانت القاعدة الشرعية تقول: " لا اجتهاد مع النص " فهذا لا يكون إلا مع النص الذي لا يحتمل الاجتهاد. وليس كل التشريع هكذا لأنه سبحانه أوضح ما لا يحتمل الاجتهاد، وأوضح ما يحتمل الاجتهاد وحينما كلف الله عبده الإنسان بتكليفات، إنما كلفه بما يتناسب وتكوينه، وكما أن تكوين الإنسان فيه أشياء هو مقهور عليها. فهناك الأحكام التي لا اختيار له فيها، وهناك أمور اختيارية، وما وصل إليه المجتهد هو حق وصواب يحتمل الخطأ، وما وصل إليه غيره خطأ يحتمل الحق والصواب. وكل ما وصل إليه طرف من الاجتهاد حق لأن النبي صلى الله عليه وسلم صوب من صلى العصر قبل أن يصل إلى أرض بني قريظة، وصوب كذلك من صلى العصر بعد أن وصل إلى مواقع بني قريظة. فالرسول - صلى الله عليه وسلم - اعتبر فعل كل فريق منهما صوابا. ويقول الحق من بعد الأمر بمسح الرأس: " وأرجلكم ". وكان سياق النص يقتضي كسر اللام في " أرجلكم " ولكن الحق جاء بالأرجل معطوفة على غسل الوجه واليدين. وغير معطوفة على " برءوسكم " وهذا يعني أن الرجلين لا تدخلان في حيز المسح إنما تدخلان في حيز الغسل. ونبه الحق بالحركة الإعرابية على أنها ليست معطوفة على الجزء المصرح بمسحه، ولكنها معطوفة على الأعضاء المطلوب غسلها. ولم يأت الحق بالممسوح في جانب والمغسول في جانب ليدل على أن الترتيب في هذه الأركان أمر تعبدي وإلا لجاء بالمغسول معا والممسوح معا، ويحدد الحق أيضا غسل الرجلين إلى الكعبين: ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾. والرجل تطلق على القدم، وتطلق على القدم والساق إلى أصل الفخذ. ويريد سبحانه غسل الرجلين محدودا إلى الكعبين. وحتى نعلم أن هذه مسائل تعبدية عرفنا أن اليد تطلق على الكف، ومن أطراف الأصابع إلى الكتف يطلق عليه " يد " أيضا، والمرفق في اليد هو الحد الوسط، و " الكعبين " هو الحد الأول في الساق لأن الوسط بعد الساق هو الركبة.