سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله
[الإسراء: 1] هل أسرى الحق برسوله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى ولم يدخله؟ لا أحد يعقل ذلك. إن " إلى " هنا تقتضي أن تدخل الغاية لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد ذهب إلى المسجد الأقصى بمراد الإسراء إليه والدخول والصلاة فيه. ويقول سبحانه:
ثم أتموا الصيام إلى الليل
[البقرة: 187] فهل يدخل الليل في الصيام؟ لا، لأننا لو أدخلنا الليل في الصوم لصار في الصيام وصال أي نصل الليل بالنهار صائمين. إذن فمع " إلى " تجد الغاية تدخل مرة، وتجدها لا تدخل مرة أخرى. واختلف بعض العلماء حول المرفق هل يدخل في الغسل أو لا؟ وصار في عموم الاتفاق أن يدخل المرفق في الغسل احتياطيا لأن أحدا لا يستطيع تحديد المرفق من أين وإلى أين. ونعرف أن هناك احتياطات للتعقل، فمرة نحتاط بالاتساع ومرة نحتاط بالتضييق. مثال ذلك عندما نصلي في البيت الحرام. ونحن نعرف أن الكعبة بناء واضح الجدران، وبجانب جدار من جدران الكعبة يوجد الحطيم وهو حجر إسماعيل وهو جزء من الكعبة يحيطه قوس. وعندما يصلي إنسان حول الكعبة، هل يتجه إلى الحطيم أم إلى بناء الكعبة لأنه مقطوع بكعبيته، والاحتياط هنا احتياط بالنقص، فنتوجه إلى الكعبة وهي البناء العالي فقط، ولكن عند الطواف. فإننا نطوف حول الكعبة والحطيم، أي أن الاحتياط هنا يكون بالزيادة لأننا إذا ما طفنا حتى من وراء المسجد فهو طواف حول البيت الحرام.
إذن فالاحتياط يكون مرة بالنقص ومرة يكون بالزيادة. وفي مجال الوضوء يكون غسل المرافق هو احتياط بالزيادة ذلك أن " إلى " تكون الغاية بها مرة داخلة، ومرة تكون الغاية بها غير داخلة. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى من بعد ذلك: ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ الأسلوب هنا يختلف فالمطلوب هو المسح. كان المطلوب أولا هو الغسل للوجه على اطلاقه لأنه لا خلاف على الوجه، ثم غسل اليدين إلى المرافق، وتم تحديد الغاية لأن الحق يريد الغسل لليدين على لون يقطع الجدل والاجتهاد فيه. ولو قال الحق: " امسحوا رءوسكم " مثلما قال: " اغسلوا وجوهكم " لما كان هناك خلاف. لكن لو قال: " امسحوا بعض رؤوسكم " فهل يوجد خلاف؟ نعم فذلك البعض لم يحدد. ولو قال: " امسحوا ربع رءوسكم " فهل يوجد خلاف؟ نعم قد يوجد خلاف لأن تحديد الربع عسير وشاق. لماذا إذن اختار الحق هنا هذا الأسلوب ﴿ امسحوا برؤوسكم ﴾ مع أن في الآية أساليب كثيرة، منها أسلوب مجرد عن الغاية، وأسلوب موجود به الغاية، وهذا الأسلوب لا هو مجرد ولا هو موجود به الغاية؟ وقال الحق: ﴿ امسحوا برؤوسكم ﴾ ولنا أن نبحث عن كيفية استعمال حرف الباء التي تسبق " رءوسكم ". إن " الباء " في اللغة تأتي بمعان كثيرة. قال ابن مالك في الألفية:
بالباء استعن وعد عوض الصق
ومثل " مع " و " من " و " عن " بها انطق
ومقصود بها أن تعطي الحرية للمشرع لأن الباء تأتي لمعان كثيرة، للاستعانة مثل: كتبت بالقلم، ولتعدية الفعل اللازم نحو: ذهبت بالمريض إلى الطبيب، وللتعويض مثل: اشتريت القلم بعشرين جنيها، والالتصاق نحو: مررت بخالد، وتأتي بمعنى " مع " مثل: بعتك البيت بأثاثه أي مع أثاثه، وبمعنى " من " مثل: شرب بماء النيل أي من ماء النيل، وبمعنى " عن " مثل قوله تعالى
سأل سآئل بعذاب واقع
[المعارج: 1]، أي عن عذاب واقع، وتأتي أيضا للظرفية نحو: ذهبت إلى فلان بالليل أي في الليل، وتكون للسببية نحو: باجتهاد محمد منح الجائزة أي بسبب اجتهاده، إلى غير ذلك من المصاحبة نحو:
فسبح بحمد ربك
[الحجر: 98، النصر: 3] أي سبح مصاحبا حمد ربك. إن الذي يقول: امسحوا بعض رءوسكم ولو شعرة، فهذا أمر يصلح ويكفي وتسعفه الباء لغة، والمسح يقتضي الإلصاق، والآلة الماسحة هي اليد. وهناك من يقول: نأخذ على قدر الأداة الماسحة وهي اليد أي مسح مقدار ربع الرأس. إذن كل حكم من هذه الأحكام يصلح لتمام تنفيذ حكم مسح الرأس، ولو أن الله يريدها على لون واحد لأوضح ما أراد، فإن أراد كل الرأس لقال: " امسحوا رءوسكم " كما قال: ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ ، وإن كان يريد غاية محددة، لحدد كما حدد غسل اليدين إلى المرفقين.