تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أي أن الذي يسحب هذا القدح يأخذ نصيبا واحدا أما المكتوب عليه " التوأم " فيأخذ نصيبين، والمكتوب عليه " الرقيب " يأخذ ثلاثة أنصباء، والمكتوب عليه " الحلس " يأخذ أربعة أنصباء، والمكتوب عليه " النافر " يأخذ خمسة أنصباء والمكتوب عليه " المسبل " يأخذ ستة أنصبة، ووالمكتوب عليه " المعلي " يأخذ سبعة أنصبة، والباقي ثلاثة أنواع مكتوب على كل واحد منها إما " المنيح " وإما " السفيح " وإما " الوغد ". وعندما يقومون بذبح الجمل كانوا يقسمونه إلى ثمانية وعشرين نصيبا بعدد الأنصبة التي ينالها الأشخاص السبعة الأوائل، أما من خرج لهم " المنيح " أو " السفيح " أو " الوغد " فلا نصيب لهم ويدفعون ثمن الذبيحة. إذن فقوله الحق: ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ أي أن مسألة طلب القسمة بواسطة الأزلام هو أسلوب مجحف وحرام، وهو لون من الميسر، والاستقسام بالأزلام خلاف القرعة، فالقرعة تكون بين اثنين متساويين ولا يريد أحدهما أن يظلم الآخر، فيخرجا الهوى من الاختيار. مثال ذلك: اثنان من البشر يملكان بيتا، وتحري كل منهما العدل في القسمة ويلجآن إلى القرعة بأن يكتب كل منهما اسمه في ورقة ثم يضعا الورقتين في إناء ضيق ويحضر طفل صغير لا يعرف المسألة ويغمض عينيه ويشد ورقة من الاثنتين، فيأخذ كل واحد النصيب الذي حددته القرعة. ومثال آخر: الرجل المتزوج بأكثر من واحدة، عليه أن يقرع بين النساء إن أراد صحبة إحداهن في سفر، والقرعة هنا حتى لا تغضب واحدة من الزوجات، وحتى لا يكون الهوى هو الحكم، وبذلك يخرج من دائرة لوم من لا تخرج قرعتها. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فعندما أراد صلى الله عليه وسلم ألا يكسر خاطر أي واحد من الأنصار عندما هاجر إلى المدينة، وتطلع كل واحد من الأنصار إلى أن ينزل رسول الله في بيته، وحاول كل واحد أن يمسك بزمام الناقة وأن يجعلها تقف أمام بيته، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" خلوا سبيلها فإنها مأمورة "

فعندما تميل الناقة وتقف عند أي بيت لن يقول أحد: إن النبي آثر فلانا على فلان. جعلها الرسول في يد من لا يقدر أحد على ان يخالفه عليه، وكذلك فالاستخارة غير الاستقسام. إذن فالاستقسام بالأزلام هو المحرم شرعا لأنها عملية غير مناسبة وهي ظالمة، ووردت هنا في سياق ألوان الطعام.

ويقول سبحانه عن كل تلك الألوان من المحرمات إن ارتكابها فسق. ﴿ ذلكم فسق ﴾ والفسق هو الخروج عن الطاعة. والمعاني - كما علمنا من قبل - مأخوذة من المحسات لأن إلف الإنسان في أول إدراكاته بالمحسات، فهو يرى ويسمع ويشم، وبعد ذلك تأتي الأمور العقلية. وأصل الفسق هو خروج الرطبة عن قشرتها فالبلحة عندما تترطب تنكمش الثمرة داخل القشرة وتخرج منها عندئذ يقال: " فسقت الرطبة " أي خرجت من قشرتها، وكذلك من يخرج عن منهج الله يسمونه فاسقا تماما مثل الرطبة، وفي هذا رمزية تدل على أن شرع الله سياج يحيط بالإنسان فالذي يخرج عن منهج الله يكون فاسقا. وإياك أيها المسلم أن تخرج عن شرع الله لأن الرطبة عندما تخرج عن القشرة فالذباب يحوم حولها ويصيبها التراب وتعافها النفس، فكان دين الله كإطار يحمي الإنسان بالإيمان. وهذه الأحكام كلها تبني قضية الدين، قضية عقدية في الألوهية، قضية البلاغ عن الألوهية بواسطة الرسالة. وأحكام تنظم حركة المجتمع بالعقود والأمانات والأنكحة وغيرها، كل هذه الأحكام تصنع هيكل الدين العام. وقد مر هيكل الدين العام بمرحلتين: المرحلة المكية وكان كل هدفها التركيز على العقيدة والإيمان بوحدانية الله والنبوات والبلاغ عن الله، وبعد ذلك في المرحلة المدنية جاءت سورة النساء وسورة المائدة لتتكلما عن الأحكام. وبالعقيدة وبالبلاغ عن الله وبالأحكام يكتمل الدين لذلك يقول الحق: ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ﴾ كأن الكافرين كان لهم أمل في أن يحبطوا هذا الدين وأن يبطلوه وأن ينقضوه، وكذلك المؤمنون بأديان سابقة أو بكتب سابقة كانوا يحبون أن يطرأ على القرآن الأفعال التي مارسوها مع كتابهم من النسيان والترك والتحريف، وسبحانه هو القائل عن أصحاب الكتب السابقة:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٥٨