تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي اللغة العربية أمثلة كثيرة لما يسمى بالجناس، فنحن نسمي الأكل في الميعاد " وجبة " ، ونسمي المسئولية " واجبا " ونسمي دقة القلب " الوجيب ". ولذلك عندما أراد الشعراء أن يتفننوا جاء واحد منهم بلفظين متماثلين ولكل منهما معنى مختلف فقال:

رحلت عن الديار لكم أسير

وقلبي في محبتكم أسير

فأسير في الشطر الأول بمعنى أمشي، وأسير في الشطر الثاني من البيت بمعنى مأسور ومقيد. فالمنخنقة إذن هي التي منع عنها النفس، ومادام منع النفس أوصلها إلى الخنق فهي إلى الموت، فلماذا جاء ذكرها مرة أخرى بعد الميتة؟ لقد جاء ذكر المنخنقة لأن الإنسان قد يلحقها بالذبح، فإن سال منها دم، وطرفت فيها عين أو تحرك الذيل فهي حلال. أما إن لم يلحقها الإنسان وذبحها ولم يسل منها دم فهي حرام، ويحرم الحق الموقوذة، وهي البهيمة التي يتم ضربها بأي شيء إلى أن تصل للموت، فهي قد ماتت، بنقض بنية وكذلك المتردية التي وقعت من ارتفاع حتى ماتت، وكذلك ﴿ والنطيحة ﴾ أي التي نطحها حيوان آخر إلى أن ماتت. ﴿ ومآ أكل السبع ﴾ وهو ما يبقى من أكل السبع من لحم ما افترسه من حيوان مأكول، ﴿ إلا ما ذكيتم ﴾ ، والذكاة هي الذبح الذي يسيل منه الدم وتأتي بعده حركة من المذبوح. والمقصود بقوله: ﴿ إلا ما ذكيتم ﴾ هو المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، فإن أدركها الإنسان وذبحها وسال منها دم وصدرت منها حركة فهي حلال. هذا هو رأي علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وهو مفتي الإيمان. وابن عباس - رضي الله عنه - وهو حبر الأمة قال - أيضا - في قوله الحق: ﴿ إلا ما ذكيتم ﴾ هو استثناء لغير الميتة والدم ولحم الخنزير ومقصود به المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. وهذا يوضح لنا أن هناك حيوانات شرسة قد لا يقوى الإنسان عليها. وأحيانا قد يقدر الإنسان عليها فيقوم بتكتيفها بالحبال، وأحيانا يضربها بآلة لتختل وتضعف قليلا ويتملكها الجزار ليذبحها. ونلاحظ أن الحق لم يحدد الحيز من الجسم الذي أصيبت فيه الموقوذة سواء أكان البطن أم الرأس أم الظهر، فالحيوان المضروب رميا بالحجارة قد تأتي الأحجار في الرأس أو البطن أو الظهر، فمن الجائز أن يضرب الإنسان الحيوان الشرس ليستطيع أن يذبحه. والحجة عندنا في التحليل أو التحريم هي: أيسيل منها الدم ساعة الذبح أم لا؟ وهل يصدر عن جسمها حركة ولو طرفة عين؟ فإن توافر ذلك في الذبيحة فهي حلال، وهكذا نعرف أن قوله الحق: ﴿ إلا ما ذكيتم ﴾ هو استثناء لغير الثلاثة الأول وهي: الميتة والدم ولحم الخنزير ومعها ما أهل لغير الله به لأنه محرم بطبيعة الإيمان العقدي.

﴿ ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب ﴾ ويحرم الحق ما أكله السبع إلا إذا كان الحيوان الذي أكله السبع لم يمت واستطاع واحد أن يذبحه الذبح الشرعي. وسبحانه يحرم ما لم يذبح بالأسلوب الشرعي، فلا يحل ذبح بعظم أو بسن والذي ذبح على النصب، أي المذبوح على الأحجار المنصوبة كالأصنام فهو حرام، والكلام هنا عقدي، والتحريم هنا بعارض عقدي. و " النصب " من الألفاظ التي وردت مفردا ووردت جمعا. ف " نصب " هي جمع، مثلما نجمع كلمة " حمار " ونقول " حمر " ، وفي هذه الحالة يكون مفردها " نصاب " ، ومرة تكون " نصب " مفردا، مثلها مثل " طنب " وهو الحبل وجمعها " أطناب " أي حبال، وفي هذه الحالة يكون جمع " نصب " هو " أنصاب ". والنصب هي حجارة كانت منصوبة حول الكعبة يذبح عليها المشركون الذبائح تقربا للآلهة. والتحريم هنا بسبب عقدي مثله مثل تحريم ما أهل لغير الله به، فما أهل لغير الله فيه شرك بالله فافتقد ذكر الله الذي ذلل للإنسان هذا الحيوان القريب من الإنسان في الحس والحركة وغير ذلك. وكذلك أيضا ما ذبح على النصب محرم لأن النصب غير واهب ولا معط، والواجب أن نتقرب إلى الواجد الواهب. ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ واستسقم أي طلب القسمة، وكانت القسمة في بعض الأحيان عملية محرجة فيريدون إلصاقها بغيرهم، وهنا يقال: " إن الأزلام هي التي أمرتني ". والأزلام هي قداح من الخشب مكتوب على بعضها: " أمرني ربي " ومكتوب على البعض الآخر: " نهاني ربي " وبعض من هذه القداح غفل بغير كتابة. وكان المشرك إذا أراد السفر فهو يذهب إلى سادن الكعبة أو الكاهن، ويخرج السادن أو الكاهن الأزلام من الكيس، ويحرك القداح ويختار المشرك قدحا، فإن قرأ عليه " أمرني ربي " يسافر إلى المهمة التي يريدها، وإن لم يقرأ عليه ووجده غفلا فهو يعيد الكرة فإن وجد " نهاني ربي " لا يسافر. ونسأل: من هو الرب الذي أمر؟ هل هو الرب الأعلى، أو الرب الذي كانوا يعبدونه؟ أي إله كانوا يقصدون؟ إن كان المقصود به الإله الأعلى، فمن أدراهم أن الله أمر بهذا السفر أو نهى عن ذلك السفر؟ إن ذلك كذب على الله. وإن كان الذي أمر هو الرب الذي يعبدونه، فهذا أمر باطل من أساسه، إذن ف " استقسم " أي أنه طلب حظه وقسمته بواسطة القداح. وكان الاستقسام يتم في مسائل الزواج أو عدم الزواج، والكلام هنا في هذه الآية عن الأكل فالسياق عن تحليل ألوان الطعام فلماذا هذا الاستقسام؟ من هذا نعرف أنهم كانوا في الجاهلية يخضعون للون من الاستقسام بالأزلام، كانت عندهم عشرة قداح وكان مكتوبا عليها أسماء، فواحد على سبيل المثال مكتوب عليه " الفذ " وعليه علامة واحدة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٥٧