تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى

[الأعراف: 172] ويريد سبحانه الوفاء بهذا العهد الأول فلا يأتي الإنسان ساعة التطبيق ويفر منها، ثم نأتي إلى عهد الاستخلاف في الأرض وبه استخلف فيها آدم وذريته من بعده، وإياك أن تظن أنك الأصيل في الكون حين تدوم لك الأسباب وتدين لك بعض الوقت. لا تظن أن الأشياء قد دانت لك بمهارتك أنت فقط، وحين تبذر البذور في الأرض وتروي الأرض فاعلم أن الزرع ينبت بتسخير الله أرضه لك. وإياك من الظن لحظة تركب المهر أنك الخيال الفارس الذي روض المهر، لا، إنه تسخير الحق للفرس. ونجد الفرس في بعض الأحايين يجمح ليقع الفارس من فوق ظهره، لعلنا ننتبه إلى الجزئية التي لا يصح أن تغيب عنا، فلو لم يذلل الله الخيل لنا لما استطعنا أن نركبها.

أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون

[يس: 71-72] وعلى المؤمن أن يتذكر أيضا أن الحق سبحانه ذلل الجمل لصاحبه، وجعل الطفل الصغير يأمر الجمل فيرقد على الأرض ليضع عليه الأحمال الثقيلة، ويأمره فيقوم.

أما إن واجه الثعبان أو الحية فهو لا يجرؤ على تذليلهما، وهذا لفت من الحق للخلق لقدرته المطلقة فقد ذلل لهم الكبير، وأفزعهم أضعاف ذلك من الثعبان ذي الجسم الصغير.

وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون

[يس: 72] ومن التذليل يأتي رضوخ بقية الكائنات للإنسان فالحمار عند الفلاح يحمل السماد للأرض من بقايا فضلات الإنسان والحيوان، ولا ينطق الحمار معترضا، ويأتي الفلاح ليرتقي في حياته ويصير شيخا للخفر، فيأمر أن يستحم الحمار، ويشتري له السرج ليركبه وهو ذاهب للقاء المأمور في المركز، ولم يعص الحمار في الحالتين. إنه التذليل. إياك أن تظن أن مهارتك وحدها أيها الإنسان هي التي ذللت لك الكائنات، فلو اعتمد الأمر على المهارة وحدها، لذلل الإنسان البرغوث الصغير الذي يهاجمه في أي وقت، وقد يفزعك ذلك البرغوث الصغير طوال الليل. وقد تسهر أسرة بأكملها من أجل قتل برغوث واحد.

ضعف الطالب والمطلوب

[الحج: 73] ولذلك أمرنا الحق أن نقول قبل البدء في أي عمل " بسم الله الرحمن الرحيم ". وإياك أن تقبل على العمل بقوتك وحدها. فالعمل إنما ينفعل لك لأنه سبحانه قد أخضعه لك. وأنت تبدأ العمل باسم الله لأنه سبحانه الذي استخلفك وأخضع لك الكائنات المذللة. ثم هناك ذلك العهد الذي قال فيه الحق لآدم:

فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى

[طه: 123] والعهد الذي قال فيه الحق:

فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون

[البقرة: 38] وهذا عهد لكل البشر، والمسلمون عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة بأن ينصروه ويمنعوا عنه ما يمنعون عن أنفسهم. وعاهدوا الرسول في الحديبية. إن الحق سبحانه يأمر بالوفاء بكل العقود، وكل ما نتج عن قمة العقائد وهو الإيمان بالله فما جاء من الله الذي آمنت به يعتبر عقدا أنت شريك فيه، لأن العقد يكون دائما بين طرفين، ولم يرغم الله أحدا على الإيمان به، ولكن الإنسان يؤمن بالله اختيارا. ومادام المؤمن قد آمن بالله من طوع اختياره، فلا بد أن يتبع منهجه. ومن آمن هو الذي يذهب إلى الحق قائلا: يارب إن ما تأمر به سأفعله. وهذا اعتراف بالعقد. وكتابة أي عقد إيماني هو تنفيذ لهذا العقد والتوقيع مع الله، وبذلك يشترك العبد مع الله في هذا التعاقد لأن إيمان العبد بالله يجعله طرفا في العقد. والإله يشرع له، وينفذ العبد التشريع ليتلقى الجزاء الأوفى. العقد إذن قد يكون بين العبد وربه، أو بين العبد وخلق الله المساوين له، أو بين العبد ونفسه، لكنهم أطلقوا على العقد الذي بين الإنسان ونفسه اسما هو " العهد " وهو النذر، كأن ينذر العبد الصيام أو الصلاة، ويجب على العبد تنفيذ ما نذر به مادام عاهد الله على ذلك.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٤٥