تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما إذا كانت الخيل للتناسل، فقد خصها القياس، وعلى حديث عفوت عن الخيل بأنه لم يثبت، وهذه دعوى تحتاج إلى إثبات، فقد ذكر الشوكاني أنه حسن.

ولعل مما يرد استدلال أبي حنيفة نفس الحديث الذي استدل به من قرينة التقسيم، إذا أناط الأجر فيها بالجهاد عليها، ولم يذكر الزكاة مع أن الزكاة قد تكون ألزم من الأجر أو أعم من الجهاد لأنها تكون لمن لا يستطيع الجهاد كالمرأة مثلا فتزكي فلو كانت فيها الزكاة لما خرجت عن قسم الأجر.

ثانيا: لو كان حق الله في المذكور هو الزكاة لما ترك لمجرد تذكرها وخيف تعرض للنسيان، لأن زكاة الأصناف الثلاثة الأخرى لم تترك لذلك بل يطالب بها صاحبها، ويأتي العامل فيأخذها، وإن امتنع صاحبها أخذت جبرا عليه، وبهذا يظهر رجحان مذهب الجمهور في عدم الوجوب.

ومن ناحية أخرى، فقد اختلف القول عن أبي حنيفة رحمه الله فيما تعامل به، وفيما يخرج في زكاتها، فقيل: إنه مخير بين أن يخرج عن كل فرس دينارا أو عشرة دراهم، وبين أن يقومها ويدفع عن كل مائتي درهم خمسة دراهم.

وقد جعل الأحناف زكاتها لصاحبها ولا دخل للعامل فيها ولا يجبر الإمام عليها، وقد أطال في الهداية الكلام عليها، ولعل أحسن ما يقال في ذلك ما جاء عن عمر رضي الله عنه في سنن الدارقطني، قال: جاء ناس من أهل الشام إلى عمر رضي الله عنه، فقالاو: إنا قد أصبنا أموالا وخيلا ورقيقا، وإنا نحب أن نزكيه، فقال: ما فعله صاحباي قبلي فأفعله أنا، ثم استشار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: حسن، وسكت علي، فسأله، فقال: هو حسن لو لم تكن جزية راتبة يؤخذون بها بعدك.

فأخذ من الفرس عشرة دراهم، وفيه: فوضع على الفرس دينارا.

وفي المنتقى عن أحمد رحمه الله أنهم قالوا: نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور، فهي إذا دائرة بين الاستحباب والترك.

وقد جاء في نفس الحديث الطويل المتقدم أنهم

" قالوا: والحمر يا رسول الله فقال: ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ﴾ [الزلزلة: 7] "

رواه الستة إلا الترمذي.

وعليه فإن الأحاديث التي هي نص في الوجوب أو للترك لم تصلح للاحتجاج، والحديث الذي فيه الاحتمال في معنى حق الله في ظهورها ورقابها، قال ابن عبد البر: إنه مجمل، فلم يكن في النصوص المرفوعة متمسك للأحناف في قولهم بوجوب زكاة الخيل، وبقي مفهوم الحديث.

وقول عمر رضي الله عنه. أما مفهوم الحديث فقد أشرنا إلى القرائن التي فيه على عدم الوجوب.

وأما فعل عمر رضي الله عنه ففيه قرائن أيضا، بل أدلة على عدم الوجوب وهي أولا لأنهم هم الذين طلبوا منه أن يزكيها ويطهرها بالمزكاة وإيجاب الزكاة لا يتوقف على رغبة المالك.

ثانيا: توقف عمر وعدم أخذها منهم لأول مرة، ولو كانت معلومة له مزكاة لما خفيت عليه ولما توقف.

ثالثا: تصريحه بأنه لم يفعله صاحباه من قبله، فكيف يفعله هو؟

رابعا: قول علي: ما لم تكن جزية من بعدك. أي: إن أخذها عمر استجابة لرغبة أولئك فلا بأس لتبرعهم بها، ما لم يكن ذلك سببا لجعلها لازمة على غيرهم فتكون كالجزية على المسلمين.

ومما يستدل به للجمهور حديث

" قد عفوت عن الخيل والرقيق فأدوا زكاة أموالكم "

رواه أبو داود.

قال الشوكاني بإسناد حسن: وهذا ما يتفق مع حديث

" ليس على المسلم في فرسه ولا في عبده "

رواه الجماعة.

وقد أجاب الأحناف على تردد عمر بأن الخيل لم تكن تعرف سائمة للنسل عند العرب، ولكنها ظهرت بعد الفتوحات في عهد عمر وفي هذا القول نظر. وعليه فلا دليل على وجوب الزكاة في الخيل فتبقى على البراءة الأصلية، ولهذا لم يأت للخيل ذكر في كتاب أنصباء بهيمة الأنعام، ولا يرد عليه أن البقر لم يأت ذكرها أيضا فيه، لأن زكاة البقر جاءت فيها نصوص متعددة لأصحاب السنن.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٣٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٣٥٨