والإفك في قفولهم ونقلا أن التيمم بها قد أنزلا
والتيمم في آية المائدة، وأجمع العلماء على جواز المسح على الخف الذي هو من الجلود، واختلفوا فيما كان من غير الجلد إذا كان صفيقا ساترا لمحل الفرض، فقال مالك وأصحابه لا يمسح على شيء غير الجلد. فاشترطوا في المسح أن يكون الممسوح خفا من جلود، أو جوربا مجلدا ظاهره وباطنه، يعنون ما فوق القدم وما تحتها لا باطنه الذي يلي القدم. واحتجوا بأن المسح على الخف رخصة، وأن الرخص لا تتعدى محلها وقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمسح على غير الجلد. فلا يجوز تعديه إلى غيره، وهذا مبني على شطر قاعدة أصولية مختلف فيها، وهي " هل يلحق بالرخص ما في معناها، أو يقتصر عليها ولا تعدي محلها "؟ ومن فروعها اختلافهم في بيع " العرايا " من العنب بالزبيب اليابس، هل يجوز إلحاقا بالرطب بالتمر أو لا؟. وجمهور العلماء منهم الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وأصحابهم على عدم اشتراط الجلد، لأن سبب الترخيص الحاجة إلى ذلك وهي موجودة في المسح على غير الجلد، ولما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه مسح على الجوربين، والموقين. قالوا. والجورب لفافة الرجل، وهي غير جلد. وفي القاموس الجورب لفافة الرجل، وفي اللسان الجورب لفافة الرجل، معرب وهو بالفارسية " كورب ". وأجاب من اشترط الجلد بأن الجورب هو الخف الكبير، كما قاله بعض أهل العلم، أما الجرموق والموق، فالظاهر أنهما من الخفاف. وقيل إنهما شيء واحد، وهو الظاهر من كلام أهل اللغة. وقيل إنهما متغايران، وفي القاموس الجرموق - كعصفور - الذي يلبس فوق الخف وفي القاموس أيضا الموق خف غليظ يلبس فوق الخف، وفي اللسان الجرموق، خف صغير، وقيل خف صغير يلبس فوق الخف، في اللسان أيضا الموق الذي يلبس فوق الخف، فارسي معرب. والموق الخف اه. قالوا والتساخين الخفاف، فليس في الأحاديث ما يعين أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على غير الجلد، والجمهور قالوا نفس الجلد لا أثر له، بل كل خف صفيق ساتر لمحل الفرض يمكن فيه تتابع المشي، يجوز المسح عليه، جلدا كان أو غيره. مسائل تتعلق بالمسح على الخفين الأولى أجمع العلماء على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر. وقال الشيعة والخوارج لا يجوز، وحكي نحوه القاضي أبو الطيب عن أبي بكر بن داود، والتحقيق عن مالك، وجل أصحابه، القول بجواز المسح على الخف في الحضر والسفر. وقد روي عنه المنع مطلقا، وروي عنه جوازه في السفر دون الحضر. قال ابن عبد البر لا أعلم أحدا أنكره إلا مالكا في رواية أنكرها أكثر أصحابه، والروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وموطأه يشهد للمسح في الحضر والسفر، وعليه جميع أصحابه، وجميع أهل السنة.
وقال الباجي رواية الإنكار في " العتبية " وظاهرها المنع، وإنما معناها أن الغسل أفضل من المسح، قال ابن وهب آخر ما فارقت مالكا على المسح في الحضر والسفر. وهذا هو الحق الذي لا شك فيه، فما قاله ابن الحاجب عن مالك من جوازه في السفر دون الحضر غير صحيح، لأن المسح على الخف متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الزرقاني في شرح " الموطأ " وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة، وروى ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصري، حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين، اه. وقال النووي في شرح " المهذب " وقد نقل ابن المنذر في كتاب الإجماع إجماع العلماء على جواز المسح على الخف، ويدل عليه الأحاديث الصحيحة المستفيضة في مسح النبي صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر، وأمره بذلك وترخيصه فيه، واتفاق الصحابة، فمن بعدهم عليه. قال الحافظ أبو بكر البيهقي روينا جواز المسح على الخفين عن عمر، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وحذيفة بن اليمان، وأبي أيوب الأنصاري، وأبي موسى الأشعري، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد الله، وعمرو بن العاص، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، وأبي مسعود الأنصاري، والمغيرة بن شعبة، والبراء بن عازب، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن سمرة، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وأبي زيد الأنصاري رضي الله عنهم. قلت ورواء خلائق من الصحابة، غير هؤلاء الذين ذكرهم البيهقي، وأحاديثهم معروفة في كتب السنن وغيرها. قال الترمذي وفي الباب عن عمر، وسلمان، وبريدة، وعمرو بن أمية، ويعلى بن مرة، وعبادة بن الصامت، وأسامة بن شريك، وأسامة بن زيد، وصفوان بن عسال، وأبي هريرة، وعوف بن مالك، وابن عمر، وأبي بكرة وبلال، وخزيمة بن ثابت. قال ابن المنذر وروينا عن الحسن البصري، قال حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين. قال وروينا عن ابن المبارك، قال ليس في المسح على الخفين اختلاف، اه. وقد ثبت في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة أنه صلى الله عليه وسلم مسح على الخف في غزوة تبوك، وهي آخر مغازيه صلى الله عليه وسلم، وثبت في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخف، ولا شك أن ذلك بعد نزول آية المائدة كما تقدم، وفي سنن أبي داود أنهم لما قالوا لجرير إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، قال ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة.