" صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين "
متفق عليه، ولمسلم
" فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين "
وللبخاري
" فأكملوا العدة ثلاثين "
وشبهة أحمد في قوله صلى الله عليه وسلم
" فاقدروا له "
بمعنى فضيقوا عليه كما في قوله تعالى:
ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله
[الطلاق: 7] ولكن هذا معارض للنص الصريح في معنى
" فاقدروا له ثلاثين "
وقوله
" فأكملوا العدة ثلاثين "
أي سواء في شعبان أو في تمام رمضان عند الفطر.
ولم يقل بصومه من الأئمة إلا أحمد رحمه الله.
ومما هو عند الشافعي قوله بنقض الوضوء من مجرد لمس المرأة الأجنبية بدون حائل مع ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في أحاديث
" عائشة رضي الله عنها " كنت أنام معترضة في القبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي فإذا سجد غمزني في رجلي فأقبضها فإذا قام مددتها ".
وقد أجابوا عن ذلك باحتمال سترها بحائل فجاء قولها " افتقدت رسول الله ذات ليلة فقمت أطلبه والحجرات ليس فيه آنذاك السرج حتى وقعت كفي على بطن قدمه وهو ساجد يقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح فقلت: والله إنك لفي واد وأنا في واد ".
فلما قام للركعة الثانية ظنته ذهب عند بعض نسائه فاغتسل ثم جاء يصلي عندها فقامت وأدخلت يدها في شعر رأسه تتحس هل اغتسل أم لا.. إلخ ".
ولهم أجوبة على كل ذلك ولكنها لا تنهض مع هذه النصوص الصريحة.
وشبهة الشافعي في ذلك في معنى لامستم النساء من قوله تعالى:
أو جآء أحد منكم من الغآئط أو لامستم النسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا
[النساء: 43]. الآية ولم يقل بنقض الوضوء به من الأئمة إلا الشافعي رحمه الله.
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أنه لا يتأتى من أحد أئمة المسلمين أن يخالف نصا صريحا من كتاب أو سنة، بدون أن تكون لديه شبهة معارضة بنص آخر، أو عدم بلوغ النص إليه، أو عدم صحته عنده أو غير ذلك مما هو معروف في هذا المقام.
وإنما أوردنا هذين المثالين تتمة للبحث ولمجرد المثال.
التنيبه التاسع.
اعلم أن كل من يرى أنه لا بد له من تقليد الإمام في كل شيء بدعوى أنه لا يقدر على الاستدلال بكتاب ولا سنة، ولا قول أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أحد غير ذلك الإمام.
يجب عليه أن يتنبه تنبها تاما للفرق بين أقوال ذلك الإمام التي خالها حقا، وبين ما ألحق بعده على قواعد مذهبه، وما زاده المتأخرون وقتا بعد وقت من أنواع الاستحسان التي لا أساس لها في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولو علم الإمام بإلحاقهم بمذهبه، لتبرأ منها، وأنكر على ملحقها، فنسبة جميع ذلك للإمام من الباطل الواضح.
ويزيده بطلانا نسبته إلى الله ورسوله، بدعوى أنه شرع ذلك على لسان رسوله، ونحو هذا كثير في المختصرات في المذاهب وكتب المتأخرين منهم.
ومن أمثلته في مذهب مالك قول خليل المالكي في مختصره الذي قال فيه مبينا لما به الفتوى: كأقل الطهر يعني أن أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يوما.
والذين يعتنقون مذهب مالك يعتقدون أن مالكا يقول: بأن أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يوما.
وهذا لم يقله مالك أبدا ولم يفت به ولم يروه عنه أحد من أصحابه.
والذي كان يقوله مالك: إن أقل الطهر ثمانية أيام أو عشرة أيام.
وهو الذي نقله عنه أجلاء أهل مذهبه كأبي محمد بن أبي زيد في رسالته رحمه الله.
والقول بأن أقل الطهر خمسة عشر هو قول ابن مسلمة واعتمده صاحب التلقين، وجعله ابن شاش المشهور أي مشهور مذهب مالك.
مع أن مالكا لم يقله ولم يعلم به، وأمثال هذا كثيرة جدا في مذهب مالك وغيره.
ومثال استحسان المتأخرين لما لم يقله الإمام مما لا شك أنه لو بلغ الإمام لم يقبله قول الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره في الصوم: وعاشوراء وتاسوعاء. ما نصه: قال الشيخ زروق في شرح القرطبية: صيام المولد كرهه بعض من قرب عصره ممن صلح علمه وورعه.