تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الموطأ أيضا: أن مالكا بلغه عن القاسم بن محمد عن ابن معيقيب الدوسي مثل ذلك. قال مالك: وهو الأمر عندنا اه. منه بلفظه.

فهذه الآثار هي عمدة مالك رحمه الله في كون القمح والشعير جنسا واحدا.

وعضد ذلك بتقارب منفعتهما، والتحقيق الذي لا شك فيه أن القمح والشعير جنسان، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ولا تصح معارضتها ألبتة بمثل هذه الآثار المروية عمن ذكر.

وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه "

انتهى منه بلفظه.

وهو صريح بأن القمح والشعير جنسان مختلفان، كاختلافهما مع التمر والملح.

وأن التفاضل جائز مع اختلاف الجنس إن كان يدا بيد، وروى مسلم في صحيحه والإمام أحمد عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد "

اه منه بلفظه.

وللنسائي وابن ماجه وأبي داود نحوه، وفي آخره: وأمرنا أن نبيع البر بالشعير والشعير بالبر يدا بيد كيف شئنا.

قال المجد في المنتقى: لما ساق هذا الحديث ما نصه: وهو صريح في كون البر والشعير جنسين، وما قاله صحيح كما ترى.

والأحاديث بمثل هذا كثيرة، وقد قدمنا طرفا منها في سورة البقرة والمقصود هنا بيان صراحة الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن القمح والشعير جنسان لا جنس واحد، وأنها لا يجوز ترك العمل بها مع صحتها ووضوحها، ولا أن يقدم عليها اثر موقوف على سعد بن أبي وقاص ولا أثر موقوف على عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، ولا أثر موقوف على ابن معيقيب.

واعلم أنه لا يصح الاستدلال لكون القمح والشعير جنسا واحدا بحديث معمر بن عبد الله الثابت في صحيح مسلم وغيره، كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

" الطعام بالطعام مثلا بمثل "

الحديث.

وذلك لأمرين: أحدهما أن معمر المذكور قال في آخر الحديث، وكان طعامهم يومئذ الشعير.

فقد عين أن عرفهم المقارن للخطاب يخصص الطعام المذكور بالشعير.

والمقرر في أصول مالك: أن العرف المقارن للخطاب من المخصصات المنفصلة التي يخصص بها العام قال في مراقي السعود في ذلك:

والعرف حيث قارن الخطابا

ودع ضمير البعض والأسبابا

الأمر الثاني: إن الاستدلال بالحديث المذكور على فرض اعتبار عمومه، وعدم تخصيصه بالعرف المذكور، يقتضي أن الطعام كله جنس واحد فيدخل التمر والملح لصدق الطعام عليهما.

وهذا لا قائل به كما ترى.

فالظاهر أن الإمام مالكا رحمه الله ومن وافقه من أهل العلم، لم تبلغهم هذه الأحاديث الصحيحة المصرحة، بأن القمح والشعير والتمر والملح أجناس.

وأن القمح يباع بالشعير كيف شاء المتبايعان إن كان يدا بيد.

وأما التدمية البيضاء فقول مالك فيها يظهر لنا قوته واتجاهه، وإن خالف في ذلك بعض أصحابه وأكثر أهل العلم.

وقد بين وجه قول مالك فيها ابن عبد البر وابن العربي وغيرهما.

والمسائل التي قال بعض أهل العلم إن مالكا خالف فيها السنة المعروفة منها ما ذكرنا.

ومنها مسألة سجود الشكر وسجدات التلاوة في المفصل.

وعدم الجهر بآمين، وعدم رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، وعدم قول الإمام: ربنا ولك الحمد.

وعدم ضفر رأس المرأة الميتة ثلاث ضفائر.

وترك السجدة الثانية في الحج وغير ذلك من المسائل.

وقد قدمنا أن بعض ما ترك مالك من النصوص قد بلغته فيه السنة ولكنه رأى غيرها أرجح منها، وأن بعضها لم يبلغه، وأن الحق قد يكون معه في بعض المسائل التي أخذت عليه.

وقد يكون مع غيره، كما قال مالك نفسه رحمه الله:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٧٤