حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون
[فصلت: 1-5].
فاحذر يا أخي وارحم نفسك أن تقول مثل قول هؤلاء الكفرة وأنت تسمع ربك يقول:
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر
[القمر: 17-22-23-40]، ويقول:
فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون
[الدخان: 58].
ويقول
كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب
[ص: 29].
فلا تخرج نفسك من عموم أولي الألباب الذين هم أصحاب العقول، لأنك إن فعلت ذلك اعترفت على نفسك أنك لست من جملة العقلاء.
وعلى كل حال فلا يخلو المقلدون، التقليد الأعمى، من أحد أمرين:
أحدهما: ألا يلتفتوا إلى نصح ناصح.
بل يستمرون على تقليدهم الأعمى، والإعرض عن نور الوحي عمدا.
وتقديم رأي الرجال عليه.
وهذا القسم منهم لا نعلم له عذرا في كتاب الله ولا سنة رسوله.
ولا في قول أحد من الصحابة، ولا أحد من القرون المشهود لهم بالخير.
لأن حقيقة ما هم عليه، هو الإعراض عما أنزل الله عمدا مع سهولة تعلم القدر المحتاج إليه منه، والاستغناء عنه بأقوال الأئمة.
ومن كان هذا شأنه وهو تام العقل والفهم قادر على التعلم فعدم عذره كما ترى.
الأمر الثاني: هو أن يندم المقلدون على ما كانوا عليه من التفريط في تعلم الوحي، والإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ويبادروا إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة ويشرعوا في ذلك بجد. تائبين مما كانوا عليه من التفريط قبل ذلك، وهذا القسم على هدى من الله.
وهو الذي ندعو إخواننا إليه.
التنبيه السادس
لا خلاف بين أهل العلم، في أن الضرورة لها أحوال خاصة تستوجب أحكاما غير أحكام الاختيار.
فكل مسلم ألجأته الضرورة إلى شيء إلجاء صحيحا حقيقيا، فهو في سعة من أمره فيه.
وقد استثنى الله جل وعلا، حالة الاضطرار في خمس آيات من كتابه، ذكر فيها المحرمات الأربع التي هي من أغلظ المحرمات، تحريما وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به.
فإن الله تعالى كلما ذكر تحريمها استثنى منها حالة الضرورة، فأخرجها من حكم التحريم.
قال تعالى في سورة الأنعام:
قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم
[الأنعام: 145].
وقال في الأنعام أيضا:
وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه
[الأنعام: 119].
وقال تعالى في النحل:
إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم
[النحل: 115].
وقال تعالى في البقرة:
إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم
[البقرة: 173].
وقال تعالى في المائدة:
حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به
إلى قوله:
فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم
[المائدة: 3].
وبهذا تعلم أن المضطر للتقليد الأعمى اضطرارا حقيقيا، بحيث يكون لا قدرة له ألبتة، على غيره مع عدم التفريط لكونه لا قدرة له أصلا على الفهم.
أو له قدرة على الفهم وقد عاقته عوائق قاهرة عن التعلم.
أو هو في أثناء التعلم ولكنه يتعلم تدريجا لأنه لا يقدر على تعلم كل ما يحتاجه في وقت واحد.
أو لم يجد كفئا يتعلم منه ونحو ذلك فهو معذور في التقليد المذكور للضرورة.
لأنه لا مندوحة له عنه.
أما القادر على التعلم المفرط فيه.
والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي.
فهذا الذي ليس بمعذور.