تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهل التقليد إلا من لوازم التكليف ولوازم الوجود؟ فهو من لوازم الشرع والقدر.

والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد. وذلك فيما تقدم بيانه من الأحكام وغيرها.

ونقول لمن احتج على إبطاله: كل حجة أثرية ذكرتها فأنت مقلد لحملتها ورواتها إذ لم يقم دليل قطعي على صدقهم، فليس بيدك إلا تقليد الراوي.

وليس بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد، وكذلك ليس بيد العامي إلا تقليد العالم.

فما الذي سوغ لك تقليد الراوي والشاهد ومنعنا من تقليد العالم، وهذا سمع بأذنه ما رواه.

وهذا عقل بقلبه ما سمعه فأدى هذا مسموعه، وأدى هذا معقوله.

وفرض على هذا تأدية ما سمعه، وعلى هذا تأدية ما عقله، وعلى من لم يبلغ منزلتهما القبول منهما.

ثم يقال للمانعين من التقليد أنتم منعتموه خشية وقوع المقلد في الخطأ، بأن يكون مقلده مخطئا في فتواه، ثم أوجبتم عليه النظر والاستدلال في طلب الحق.

ولا ريب أن صوابه في تقليده للعالم أقرب من صوابه في اجتهاده هو لنفسه.

وهذا كمن أراد شراء سلعة لا خبرة له بها، فإنه إذا قلد عالما بتلك السلعة خبيرا بها أمينا ناصحا كان صوابه وحصول غرضه أقرب من اجتهاده لنفسه، وهذا متفق عليه بين العقلاء اه.

هذا هو غاية ما يحتج به المقلدون، وقد ذكره ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين، وبين بطلانه من واحد وثمانين وجها.

وسنذكر هنا إن شاء الله جملا مختصرة من كلامه الطويل تكفي المنصف.

وتزيد المسألة إن شاء الله إيضاحا وإقناعا.

قال في إعلام الموقعين بعد ذكره حجج المقلدين التي ذكرناها آنفا ما نصه:

قال أصحاب الحجة:

عجبا لكم معاشر المقلدين، الشاهدين على أنفسهم مع شهادة أهل العلم بأنهم ليسوا من أهله، ولا معدودين في زمرة أهله.

كيف أبطلتم مذهبكم، بنفس دليلكم، فما للمقلد وما للاستدلال؟

وأين منصب المقلد من منصب المستدل؟

وهل ما ذكرتم من الأدلة إلا ثيابا استعرتموها، من صاحب الحجة فتجملتم بها، بين الناس، وكنتم في ذلك متشبهين بما لم تعطوه، ناطقين من العلم بما شهدتم على أنفسكم أنكم لم تؤتوه، وذلك ثوب زور لبستموه، ومنصب لستم من أهله غصبتموه.

فأخبرونا، هل صرتم إلى التقليد لدليل قادكم إليه، وبرهان دلكم عليه، فنزلتم به من الاستدلال أقرب منزل، وكنتم به عن التقليد بمعزل، أم سلكتم سبيله اتفاقا، وتخمينا من غير دليل.

وليس إلى خروجكم عن أحد هذين القسمين، سبيل، وأيهما كان فهو بفساد مذهب التقليد حاكم، والرجوع إلى مذهب الحجة منه لازم.

ونحن إن خاطبناكم بلسان الحجة، قلتم لسنا من أهل هذه السبيل، وإن خاطبناكم بحكم التقليد، فلا معنى لما أقمتموه من الدليل.

والعجب أن كل طائفة من الطوائف، وكل أمة من الأمم، تدعي أنها على حق، حاشا فرقة التقليد، فإنهم لا يدعون ذلك، ولو ادعوه لكانوا مبطلين، فإنهم شاهدون على أنفسهم بأنهم لم يعتقدوا تلك الأقوال لدليل قادهم إليها، وبرهان دلهم عليها، وإنما سبيلهم محض التقليد.

والمقلد لا يعرف الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل.

وأعجب من هذا أن أئمتهم نهوهم عن تقليدهم فعصوهم وخالفوهم، وقالوا نحن على مذاهبهم، وقد دانوا بخلافهم في أصل المذهب الذي بنوا عليه.

فإنهم بنوا على الحجة ونهوا عن التقليد وأوصوهم إذا ظهر الدليل أن يتركوا أقوالهم ويتبعوه، فخالفوهم في ذلك كله.

وقالوا نحن من أتباعهم، تلك أمانيهم، وما أتباعهم إلا من سلك سبيلهم، واقتفى آثارهم في أصولهم وفروعهم.

وأعجب من هذا أنهم مصرحون في كتبهم ببطلان التقليد، وتحريمه، وأنه لا يحل القول به في دين الله.

ولو اشترط الإمام على الحاكم أن يحكم بمذهب معين لم يصح شرطه ولا توليته.

ومنهم من صحح التولية وأبطل الشرط.

وكذلك المفتي يحرم عليه الإفتاء بما لا يعلم صحته باتفاق الناس.

والمقلد لا علم له بصحة القول وفساده إذ طريق ذلك مسدودة عليه.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٥٢