وسنذكر هنا إن شاء الله جملا من كلام أهل العلم في فساد هذا النوع من التقليد وحجج القائلين به، ومناقشتها. وبعد إيضاح ذلك كله نبين ما يظهر لنا بالدليل أنه هو الحق والصواب إن شاء الله.
قال الإمام أبو عمر بن عبد البر رحمه الله، في كتابه جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، ما نصه:
باب فساد التقليد ونفيه والفرق بين التقليد والاتباع.
قد ذم الله تبارك وتعالى التقليد في غير موضع من كتابه، فقال:
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله
[التوبة: 31].
وروي عن حذيفة وغيره قالوا: " لم يعبدوهم من دون الله ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم ".
وقال عدي بن حاتم:
" أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عنقي الصليب فقال لي: " يا عدي: ألق هذا الوثن من عنقك " ، فانتهين إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ﴾ قال قلت يا رسول الله: إنا لم نتخذهم أربابا. قال بلى أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله لكم فتحرمونه؟ فقلت بلى فقال: تلك عبادتهم "
حدثنا عبد الوارث بن سفيان ثم ساق السند إلى أن قال عن أبي البختري في قوله عز وجل: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ﴾ أما إنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم ولكنهم أمروهم، فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية.
قال وحدثنا ابن وضاح، ثم ساق السند إلى أن قال عن أبي البختري قال: قيل لحذيفة في قوله
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله
[التوبة: 31] أكانوا يعبدونهم؟ فقال لا، ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه.
وقال جل وعز:
وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبآءكم
[الزخرف: 23-24].
فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء، فقالوا:
إنا بمآ أرسلتم به كافرون
[سبأ: 34].
وفي هؤلاء ومثلهم قال الله عز وجل:
إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون
[الأنفال: 22].
وقال:
إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم
[البقرة: 166-167].
وقال عز وجل عائبا لأهل الكفر وذاما لهم:
ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنآ آبآءنا لها عابدين
[الأنبياء: 52-53].
وقال
وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا
[الأحزاب: 67].
ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء.
وقد احتج العلماء بهذه الآيات، في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها، لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر.
وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجل فكفر وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة.
لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا، وإن اختلفت الآثام فيه.
وقال الله عز وجل:
وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون
[التوبة: 115].
وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب هذا، وفي ثبوته إبطال التقليد أيضا.
فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها، وهي الكتاب والسنة أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك.
أخبرنا عبد الوارث ثم ساق السند إلى أن قال:
" حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إني لأخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة " ، قال وما هي يا رسول الله؟ قال: " أخاف عليهم من زلة العالم، ومن حكم جائر، ومن هوى متبع "