تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقول الصاوي في كلامه المذكور في سورة آل عمران: إن العلماء قالوا: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. قول باطل لا يشك في بطلانه من عنده أدنى معرفة.

ومن هم العلماء الذين قالوا إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر؟ سموهم لنا، وبينوا لنا من هم؟

والحق الذي لا شك فيه أن هذا القول لا يقوله عالم، ولا متعلم، لأن ظواهر الكتاب والسنة هي نور الله الذي أنزله على رسوله ليستضاء به في أرضه وتقام به حدوده، وتنفذ به أوامره، وينصف به بين عباده في أرضه.

والنصوص القطعية التي لا احتمال فيها قليلة جدا لا يكاد يوجد منها إلا أمثلة قليلة جدا كقوله تعالى:

فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة

[البقرة: 196].

والغالب الذي هو الأكثر هو كون نصوص الكتاب والسنة ظواهر.

وقد أجمع جميع المسلمين على أن العمل بالظاهر واجب حتى يرد دليل شرعي صارف عنه، إلى المحتمل المرجوح، وعلى هذا كل من تكلم في الأصول.

فتنفير الناس وإبعادها عن كتاب الله، وسنة رسوله، بدعوى أن الأخذ بظواهرهما من أصول الكفر هو من أشنع الباطل وأعظمه كما ترى.

وأصول الكفر يجب على كل مسلم أن يحذر منها كل الحذر، ويتباعد منها كل التباعد ويتجنب أسبابها كل الاجتناب، فيلزم على هذا القول المنكر الشنيع وجوب التباعد من الأخذ بظواهر الوحي.

وهذا كما ترى، وبما ذكرنا يتبين أن من أعظم أسباب الضلال، ادعاء أن ظواهر الكتاب والسنة دالة على معان قبيحة، ليست بلائقة.

والواقع في نفس الأمر بعدها وبراءتها من ذلك.

وسبب تلك الدعوى الشنيعة على ظواهر كتاب الله، وسنة رسوله، هو عدم معرفة مدعيها.

ولأجل هذه البلية العظمى، والطامة الكبرى، زعم كثير من النظار الذين عندهم فهم، أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها، غير لائقة بالله، لأن ظواهرها المتبادرة منها هو تشبيه صفات الله بصفات خلقه، وعقد ذلك المقري في إضاءته في قوله:

والنص إن أوهم غير اللائق

بالله كالتشبيه بالخلائق

فاصرفه عن ظاهره إجماعا

واقطع عن الممتنع الأطماعا

وهذه الدعوى الباطلة، من أعظم الافتراء على آيات الله تعالى، وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم.

والواقع في نفس الأمر أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها المتبادرة منها، لكل مسلم راجع عقله، هي مخالفة صفات الله لصفات خلقه.

ولا بد أن نتساءل هنا فنقول:

أليس الظاهر المتبادر مخالفة الخالق للمخلوق، في الذات والصفات والأفعال؟

والجواب الذي لا جواب غيره: بلى.

وهل تشابهت صفات الله مع صفات خلقه حتى يقال إن اللفظ الدال على صفته تعالى ظاهره المتبادر منه تشبيهه بصفة الخلق؟

والجواب الذي لا جواب غيره: لا.

فبأي وجه يتصور عاقل أن لفظا أنزله الله في كتابه، مثلا دالا على صفة من صفات الله اثنى بها تعالى على نفسه، يكون ظاهره المتبادر منه، مشابهته لصفة الخلق؟

سبحانك هذا بهتان عظيم

[النور: 16].

فالخالق والمخلوق متخالفان كل التخالف وصفاتهما متخالفة كل التخالف.

فبأي وجه يعقل دخول صفة المخلوق في اللفظ الدال على صفة الخالق؟ أو دخول صفة الخالق في اللفظ الدال على صفة المخلوق مع كمال المنافاة بين الخالق والمخلوق؟

فكل لفظ دل على صفة الخالق ظاهره المتبادر منه أن يكون لائقا بالخالق منزها عن مشابهة صفات المخلوق.

وكذلك اللفظ الدال على صفة المخلوق لا يعقل أن تدخل فيه صفة الخالق.

فالظاهر المتبادر من لفظ اليد بالنسبة للمخلوق، هو كونها جارحة هي عظم ولحم ودم، وهذا هو الذي يتبادر إلى الذهن في نحو قوله تعالى:

فاقطعوا أيديهما

[المائدة: 38].

والظاهر المتبادر من اليد بالنسبة للخالق في نحو قوله تعالى:

ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي

[ص: 75] أنها صفة كمال وجلال، لائقة بالله جل وعلا ثابتة له على الوجه اللائق بكماله وجلاله.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٢٩