تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن كان قصدهم أن الكتاب والسنة، لا حاجة إلى تعلمهما، وأنهما يغني غيرهما، فهذا بهتان عظيم، ومنكر من القول وزور.

وإن كان قصدهم أن تعلمهما صعب لا يقدر عليه، فهو أيضا زعم باطل، لأن تعلم الكتاب والسنة، أيسر من تعلم مسائل الآراء والاجتهاد المنتشرة، مع كوناه في غاية التعقيد، والكثرة والله جل وعلا يقول في سورة القمر مرات متعددة:

ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر

[القمر: 17-22-40]. ويقول تعالى في الدخان:

فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون

[الدخان: 58].

ويقول في مريم:

فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا

[مريم: 97].

فهو كتاب ميسر، بتيسير الله، لمن وفقه الله للعمل به، والله جل وعلا يقول

بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم

[العنكبوت: 49]، ويقول

ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون

[الأعراف: 52].

فلا شك أن الذي يتباعد، عن هداه، يحاول التباعد، عن هدى الله ورحمته.

ولا شك أن هذا القرآن العظيم، هو النور الذي أنزله الله إلى أرضه، ليستضاء به فيعلم في ضوئه الحق من الباطل والحسن من القبيح والناف من الضار، والرشد من الغي.

قال الله تعالى:

يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم وأنزلنآ إليكم نورا مبينا

[النساء: 174]. وقال تعالى:

قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم

[المائدة: 15-16]. وقال تعالى:

وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا

[الشورى: 52] وقال تعالى:

فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا

[التغابن: 8] وقال تعالى:

فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون

[الأعراف: 157].

فإذا علمت أيها المسلم أن هذا القرآن العظيم، هو النور الذي أنزله الله ليستضاء به، ويهتدي بهداه في أرضه، فكيف ترضى لبصريتك أن تعمى عن النور.

فلا تكن خفاشي البصيرة، واحذر أن تكون ممن قيل فيهم:

خفافيثش أعماها النهار بضوئه

ووافقها قطع من الليل مظلم

مثل النهار يزيد أبصار الورى

نورا ويعمي أعين الخفاش

يكاد البرق يخطف أبصارهم

[البقرة: 22].

أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب

[الرعد: 19].

ولا شك أن من عميت بصيرته عن النور، تخبط في الظلام، ومن لم يجعل الله له نورا، فما له من نور.

وبهذا تعلم أيها المسلم المنصف، أنه يجب عليك الجد، والاجتهاد في تعلم كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبالوسائل النافعة المنتجة، والعمل بكل ما علمك الله منهما، علما صحيحا.

ولتعلم أن تعلم كتاب الله وسنة رسوله في هذا الزمان، أيسر منه بكثير في القرون الأولى، لسهولة معرفة جميع ما يتعلق بذلك، من ناسخ ومنسوخ وعام وخاص، ومطلق ومقيد، ومجمل ومبين وأحوال الرجال، من رواة الحديث، والتمييز بين الصحيح والضعيف، لأن الجميع ضبط وأتقن ودون، فالجميع سهل التناول اليوم.

فكل آية من كتاب الله قد علم ما جاء فيها من النبي صلى الله عليه وسلم ثم من الصحابة والتابعين وكبار المفسرين.

وجميع الأحاديث الواردة عنه صلى الله عليه وسلم حفظت ودونت، وعلمت أحوال متونها وأسانيدها وما يتطرق إليها من العلل والضعف.

فجميع الشروط التي اشترطوها في الاجتهاد يسهل تحصيلها جدا على كل من رزقه الله فهما وعلما.

والناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، ونحو ذلك تسهل معرفته اليوم على كل ناظر في الكتاب والسنة ممن رزقه الله فهما ووفقه لتعلم كتاب الله وسنة رسوله.

واعلم أيها المسلم المنصف، أن من أشنع الباطل وأعظم القول بغير الحق، على الله وكتابه وعلى النبي وسنته المطهرة، ما قاله الشيخ أحمد الصاوي، في حاشيته على الجلالين، في سورة الكهف وآل عمران وغتر بقوله في ذلك، خلق لا يحصى من المتسمين، باسم طلبة العلم، لكونهم لا يميزون بين حق وباطل.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٢٦