[ص: 27].
وقد نزه تعالى نفسه عن كونه خلق الخلق عبثا، لا لتكليف وحساب وجزاء، وأنكر ذلك على من ظنه، في قوله تعالى
أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم
[المؤمنون: 115-116].
فقوله (فتعالى الله) أي تنزه وتعاظم، وتقدس، عن أن يكون خلقهم لا لحكمة تكليف وبعث، وحساب وجزاء.
وهذا الذي نزه تعالى عنه نفسه، نزهه عنه أولو الألباب، كما قال تعالى:
إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم
إلى قوله:
ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار
[آل عمران: 190-191]، فقوله عنهم ﴿ سبحانك ﴾ أي تنزيها لك، عن أن تكون خلقت هذا الخلق، باطلا لا لحكمة تكليف، وبعث وحساب وجزاء.
وقوله جل وعلا في آية الأحقاف هذه: ﴿ ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق ﴾ ، يفهم منه أنه لم يخلق ذلك باطلا، ولا لعبا ولا عبثا.
وهذا المفهوم جاء موضحا في آيات من كتاب الله كقوله تعالى ﴿ وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلا ﴾ ، وقوله تعالى:
وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهمآ إلا بالحق
[الدخان: 38-39].
وقوله تعالى في آية الأحقاف هذه ﴿ وأجل مسمى ﴾ معطوف على قوله: ﴿ بالحق ﴾ أي ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقا متلبسا بالحق، وبتقدير أجل مسمى، أي وقت معين محدد ينتهي إليه أمد السماوات والأرض، وهو يوم القيامة كما صرح الله بذلك في أخريات الحجر في قوله تعالى
وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق وإن الساعة لآتية
[الحجر: 85] الآية.
فقوله في الحجر: ﴿ وإن الساعة لآتية ﴾ بعد قوله ﴿ إلا بالحق ﴾ يوضح معنى قوله فى الأحقاف ﴿ إلا بالحق وأجل مسمى ﴾.
وقد بين تعالى في آيات من كتابه أن للسماوات والأرض أمدا ينتهي إليه أمرهما. كما قال تعالى:
والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه
[الزمر: 67]. وقال تعالى:
يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب
[الأنبياء: 104] وقوله تعالى:
يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات
[إبراهيم: 48] وقوله:
وإذا السمآء كشطت
[التكوير: 11] وقوله تعالى
يوم ترجف الأرض والجبال
[المزمل: 14] الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿ والذين كفروا عمآ أنذروا معرضون ﴾.
ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الكفار معرضون عما أنذرتهم به الرسل جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى في البقرة:
إن الذين كفروا سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون
[البقرة: 6] وقوله في يس
وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون
[يس: 10]. وقوله تعالى:
وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين
[الأنعام: 4 - يس: 46]. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
والإعراض عن الشيء الصدود عنه. وعدم الإقبال إليه.
قال بعض العلماء: وأصله من العرض بالضم. وهو الجانب. لأن المعرض عن الشي يوليه بجانب عنقه. صادا عنه.
والإنذار: الإعلام المقترن بتهديد. فكل إنذار إعلام وليس كل إعلام إنذار.
وقد أوضحنا معاني الإنذار في أول سورة الأعراف.
و ﴿ ما ﴾ في قوله ﴿ عمآ أنذروا ﴾ قال بعض العلماء هي موصولة. والعائد محذوف، أي الذين كفروا معرضون عن الذي أنذروه. أي خوفوه من عذاب يوم القيامة. وحذف العائد المنصوب بفعل أو وصف مضطرد كما هو معلوم.
وقال بعض العلماء: هي مصدرية. أي والذين كفروا معرضون عن الإنذار، ولكليهما وجه.