حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج
[الأنبياء: 96] فالمراد منه خروجهم بكثرة وانتشارهم في الأرض، كما يخرج الشيء المحبوس أو المضغوط إذا انفجر. واستعمال لفظ (الفتح) مجازا شائع في اللغة. ومنه قولك: (فتحوا البلاد) وقوله تعالى:
فتحنا عليهم أبواب كل شيء
[الأنعام: 44] فليس للأشياء أبواب. وكذلك يأجوج ومأجوج لا باب لهم. بل هم من كل حدب ينسلون. والغالب أن المراد بخروجهم هذا: خروج المغول التتار، وهم من نسل يأجوج ومأجوج وهو الغزو الذي حصل منهم للأمم في القرن السابع الهجري. وناهيك بما فعلوه إذ ذاك في الأرض، بعد أن انتشروا فيها، من الإفساد والنهب والقتل والسبي. والراجح أن السد كان موجودا بإقليم داغستان التابع الآن لروسيا، بين مدينتي دربند وخوزار. فإنه يوجد بينهما مضيق شهير منذ القدم، يسمى عند كثير من الأمم القديمة والحديثة ب (السد) وبه موضع يسمى (باب الحديد) وهو أثر سد حديدي قديم بين جبلين من جبال القوقاز الشهيرة عند العرب (بجبل قاف) وقد كانوا يقولون: إن فيه السد كغيرهم من الأمم.
ويظنون أنه في نهاية الأرض وذلك بحسب ما عرفوه منها ومن ورائه قبيلتا يأجوج ومأجوج. انتهى.
وجاء في (صفوة الاعتبار): أن السور الذي وصلوا إليه أيام الواثق من بني العباس، هو سور الصين الذي هو إحدى عجائب مملكة الصين. فإن طوله نحو ألف ومائتين وخمسين ميلا، وسمكه من الأسفل نحو خمسة وعشرين قدما، ومن أعلاه نحو خمسة عشر قدما. وارتفاعه ما بين خمسة عشر إلى عشرين قدما. وفي أماكن منه حصون يبلغ ارتفاع بعضها إليه أربعين قدما. بني لرد الهجمات على المملكة الصينية الأصلية من المغول والقبائل الشمالية. والسور الآن خراب في جهات كثيرة. فإن كان هو المراد بالسد في الآية، لزم حمل الصفات المذكورة فيه، من كونه من زبر الحديد، ومفرغا عليه النحاس، على بقاع من ذلك السور. والصدفان حينئذ طرفان من ذلك السور. كما تؤول صفات يأجوج ومأجوج، إلى ما يصح إطلاقها به على التتر والنشورية. ويكون وعد الله الذي يدك فيه السد هو قرب الساعة. ولا شك أنها قربت بإعلام الشارع. وحينئذ يكون الفساد الموعود به في النصوص من أولئك القوم، هو ما وقع من التتر من الفساد في الممالك. كما في عهد جنكزخان، وما عثاه هو وأصحابه في الدنيا والله أعلم. انتهى.
وجاء في الجغرافية العمومية: في المقالة السابعة والأربعين في تخطيط آسيا، بلاد القوقاسيين أي: أهالي كوه قاف، أي: جبل قاف: إن في تلك الأقطار يمتد هذا الجبل كالسور العظيم. وفيه مجازان يسميان عند القدماء الأبواب القوقازية الأبواب الألبانية. فالمجاز الأول وهو الأبواب القوقازية هو الذي كان يخشى منه هجوم المتبربرين على كل من دولة الرومانيين والعجم. ثم إن الحصن الذي كان يسد هذا المجاز يسمى بأسماء مختلفة عند القدماء. وأما الأبواب الألبانية فأشهر الآراء فيها أنهم مجاز دربند. على امتداد بحر الخزر.
ثم قال: وهناك حكاية مشهورة بين أهالي (كوه قاف) تقتضي أن هذا الجبل كان مسدودا بسد عظيم يمنع غارة المتبربرين وهذا السد العظيم تارة يعزى لإسكندر، وتارة لأنوشروان ويستدلون على ذلك بآثار موجودة إلى الآن، ترى لمن يروم ذلك؟
التنبيه الثامن: قال أبو البقاء: يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان، لم ينصرفا للعجمة والتعريف. ويجوز همزهما وترك همزهما. وقيل: هما عربيان. ف (يأجوج) يفعول مثل يربوع. (مأجوج) مفعول مثل معقول. وكلاهما من (أج الظليم) إذا أسرع. أو من (أجت النار) إذا التهبت. ولم ينصرفا للتعريف والتأنيث - أي: للقبيلة كمجوس. فالكلمتان من أصل واحد في الاشتقاق. وعلى العجمة لا يتأتى تصريفه. ولا يعتبر وزنه إلا بتقدير كونه عربيا، كما في (تذكرة أبي علي).
قال الرازي: واختلفوا في أنهما من أي: الأقوام؟ فقيل: إنهما من الترك. وقيل: يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل والديلم.