18.11
﴿ فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ﴾ أي: أنمناهم نومة ثقيلة لا ينبههم صفير الخبير، و لا دعوة الداعي الخبير، في الكهف سنين ذوات عدد. أي: كثيرة أو معدودة قال الشهاب: ﴿ فضربنا ﴾ مستعار استعارة تبعية لمعنى أنمناهم إنامة لا ينتبه منها بالصياح؛ لأن النائم ينتبه من جهة سمعه. و هو إما من (ضربت القفل على الباب) أو (ضربت الخباء على ساكنه) شبه، لاستغراقه في نومه حتى لا ينتبه بمنبه، بمن كان خلف حجب مانعة من وصول الأصوات إليه. و قيل إنه استعارة تمثيلية.
18.12
﴿ ثم بعثناهم ﴾ أي: أيقظناهم إيقاظا يشبه بعث الموتى ﴿ لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ﴾ أي: لنعلم واقعا ما علمنا أنه سيقع. وهو أي الحزبين المختلفين في مدة لبثهم، أشد إحصاء، أي: إحاطة وضبطا لغاية مدة لبثهم فيعلموا قدر ما حفظهم الله بلا طعام ولا شراب، وأمنهم من العدو، فيتم لهم رشدهم في شكره، وتكون لهم آية تبعثهم على عبادته. وقوله تعالى: ﴿ نحن نقص عليك... ﴾.
18.13
﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق ﴾ شروع في تمام بسط قصتهم وتفصيلها. و(الحق) الأمر المطابق للواقع ﴿ إنهم فتية آمنوا بربهم ﴾ أي: بوحدانيته إيمانا يقينيا علميا على طريق الاستدلال، مع اتفاق قومهم على الشرك ﴿ وزدناهم هدى ﴾ أي: بترجيح جانب الله على جانب أنفسهم. قال ابن كثير: الفتية - وهم الشباب - أقبل للحق وأهدى للسبيل، من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل؛ ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم شبابا. وأما عامة شيوخ قريش فاستمروا على ضلالهم ولم يسلم منهم إلا القليل. وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شبابا. وقد يروى عن هؤلاء الفتية روايات مضطربة. أوثقها أن هؤلاء كان قدم إلى مدينتهم من يدعو إلى الإيمان بالله تعالى، وبما جاء به عيسى عليه السلام. ممن كان على قدم الحواريين. فاستجاب لذلك الفتية المنوه بهم. وخلعوا الوثنية التي عليها قومهم وفروا بدينهم خشية أن يفتنهم ملكهم عن دينهم أو يقتلهم. فاستخفوا عنه في الكهف. واعتزلوا فيه يعبدون الله تعالى وحده. ثم روي أن الملك طلبهم. فقيل: دخلوا هذا الكهف، فقال قومهم: لا نريد لهم عقوبة ولا عذابا أشد من أن نردم عليهم هذا الكهف، فبنوه عليهم ثم ردموه. ثم إن الله بعث عليهم ملكا على دين عيسى. فرفع ذلك البناء الذي كان ردم عليهم. فقال بعضهم لبعض: كم لبثتم؟ فقالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم حتى بلغ
فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة
[الكهف: 19] وكان ورق ذلك الزمان لدولة أهله. فأرسلوا أحدهم يأتيهم بطعام. فلما ذهب ليخرج رأى على باب الكهف شيئا أنكره فأراد أن يرجع. ثم مضى حتى دخل المدينة. فأنكر ما رأى. ثم أخرج درهما فنظروا إليه فأنكروه وأنكروا الدرهم. وقالوا: من أين لك هذا؟ هذا من ورق غير هذا الزمان.
واجتمعوا عليه يسألونه. فلم يزالوا به حتى انطلقوا به إلى ملكهم. فأخبره بأمره. فاستبشروا به وبأصحابه. وقيل له: انطلق فأرنا أصحابك. فانطلق وانطلقوا معه ليريهم. فدخل قبل القوم فضرب على آذانهم ف:
قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا
[الكهف: 21] هذا ما أورده ابن جرير أولا، وفيه كفاية عن غيره. وسنذكر في آخر نبئهم ما عند أهل الكتاب النصارى من شأنهم.
وقد قيل: إنهم كانوا في مدينة يقال لها: (طرسوس) من أعمال طرابلس الشام. وفيها من الآثار القديمة العهد، في جبل بها، ما يزعم أهلها زعما متوارثا، أنه لأصحاب الكهف. والله أعلم.
ثم بين تعالى صبرهم على مخالفة قومهم، ومدينتهم ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد، بقوله سبحانه: ﴿ وربطنا على قلوبهم... ﴾.