تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18.92-93

﴿ ثم أتبع سببا ﴾ أي: طريقا ثالثا معترضا بين المشرق والمغرب ﴿ حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ قرئ بفتح السين وضمها. أي: بين الجبلين اللذين سد ما بينهما. ﴿ وجد من دونهما قوما ﴾ أي: من ورائهما أمة من الناس ﴿ لا يكادون يفقهون قولا ﴾ لكون لغتهم غريبة مجهولة، ولقلة فطنتهم.

18.94-95

﴿ قالوا يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ﴾ أي: في أرضنا بالقتل والإضرار ﴿ فهل نجعل لك خرجا ﴾ أي: جعلا نخرجه من أموالنا. وقرئ (خراجا) وهو بمعناه ﴿ على أن تجعل بيننا وبينهم سدا ﴾ أي: حاجزا يمنع خروجهم علينا ﴿ قال ما مكني فيه ربي خير ﴾ أي ما جعلني فيه مكينا من المال والملك، أجل مما تريدون بذله. فلا حاجة بي إليه ﴿ فأعينوني بقوة ﴾ أي: بعملة وصناع وآلات ﴿ أجعل بينكم وبينهم ردما ﴾ أي: حاجزا حصينا. وأصل معنى الردم: سد الثلمة بالحجارة ونحوها.

18.96-98

﴿ آتوني زبر الحديد ﴾ أي: ناولوني قطعه ﴿ حتى إذا ساوى بين الصدفين ﴾ أي: بين جانبي الجبلين ﴿ قال انفخوا ﴾ أي: في الأكوار والحديد ﴿ حتى إذا جعله ﴾ أي: المنفوخ فيه ﴿ نارا ﴾ أي: كالنار بالإحماء ﴿ قال آتوني أفرغ عليه قطرا ﴾ أي: نحاسا مذابا ليلصق بالحديد، ويتدعم البناء به ويشتد ﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ أي: يعلوه بالصعود لارتفاعه وملاسته ﴿ وما استطاعوا له نقبا ﴾ لثخنه وصلابته ﴿ قال هذا ﴾ أي: السد ﴿ رحمة من ربي ﴾ على القاطنين عنده. لأمنهم من شر من سد عليهم به، ورحمة على غيرهم؛ لسد الطريق عليهم ﴿ فإذا جآء وعد ربي ﴾ بدحره وخرابه ﴿ جعله دكآء ﴾ بالمد أي: أرضا مستوية، وقرئ ﴿ دكآء ﴾ أي: مدكوكا مسوى بالأرض. ﴿ وكان وعد ربي حقا ﴾ أي: كائنا لا محالة. وهذا آخر حكاية قول ذي القرنين.

تنبيهات

الأول: قدمنا أنه ليس في القرآن شيء من التاريخ من حيث هو قصص وأخبار. وإنما هي الآيات والعبر والأحكام والآداب تجلت في سياق الوقائع؛ ولذا يجب صرف العناية إلى وجوه تلك الفوائد والثمرات، وما يستنبط من تلك الآيات. وقد أشار نبأ ذي القرنين الإسكندر إلى فوائد شتى. نذكر ما فتح علينا منها، ونكل ما لم نحط به علما إلى العليم الخبير.

فمن فوائدها: الاعتبار برفع الله بعض الناس درجات على بعض. ورزقه من يشاء بغير حساب ملكا ومالا. لما له من خفي الحكم وباهر القدرة. فلا إله سواه.

ومنها: الإشارة إلى القيام بالأسباب، والجري وراء سنة الله في الكون من الجد والعمل وأن على قدر بذل الجهد يكون الفوز والظفر فإن ما قص عن الإسكندر من ضربه في الأرض إلى مغرب الشمس، ومطلعها وشمالها وعدم فتوره ووجدانه اللذة في مواصلة الأسفار وتجشم الأخطار، وركوب الأوعار والبحار، ثم إحرازه ذلك الفخار الذي لا يشق له غبار، أكبر عبرة لأولي الأبصار.

ومنها: تنشيط الهمم لرفع العوائق. وأنه ما تيسرت الأسباب، فلا ينبغي أن يعد ركوب البحر ولا اجتياز القفر عذرا في الخمول والرضاء بالدون. بل ينبغي أن ينشط ويمثل في مرارته حلاوة عقباه من الراحة والهناء. كما قضى الإسكندر عمره ولم يذق إلا حلاوة الظفر ولذة الانتصار، إذ لم يكن من الذين تقعدهم المصاعب عن نيل ما يبتغون.

ومنها: وجوب المبادرة لمعالي الأمور من الحداثة. إذ من الخطأ التسويف فيه إلى الاكتهال. فإن الإسكندر لما تبوأ ملك أبيه كان في حدود العشرين من عمره. وأتى ما أتى وهو في ريعان الشباب وقوة الفتاء. فهاجم أعظم ملوك عصره وأكبر جيوشهم. كأنه القضاء المبرم. ولم يقف في وجه عدد ولا عدد. وخاض غمرات الردى غير هياب ولا وجل. وأضاف كل العالم الشرقي إلى المملكة اليونانية وهو شاب.

وقضى وهو في الثالثة والثلاثين من عمره كما دونه محققو المؤرخين.

ومنها: أن من قدر على أعدائه وتمكن منهم، فلا ينبغي له أن تسكره لذة السلطة بسوقهم بعصا الإذلال، وتجريعهم غصص الاستعباد والنكال. بل يعامل المحسن بإحسانه والمسيء بقدر إساءته، فإن ما حكي عن الإسكندر من قوله:

محاسن التأويل · الصفحة ١٩١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٩١٩