تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18.82

﴿ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ﴾ أي: قوتهما بالعقل وكمال الرأي ﴿ ويستخرجا كنزهما ﴾ ليتصرفا فيه ﴿ رحمة من ربك ﴾ أي: تفضل بها عليهما. و ﴿ رحمة ﴾ مفعول له. أو مصدر مؤكد ل (أراد) فإن إرادة الخير رحمة ﴿ وما فعلته ﴾ أي: ما رأيت مني ﴿ عن أمري ﴾ أي: عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله تعالى ﴿ ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ﴾ أي: من الأمور التي رأيتها. أي: مآله وعاقبته. قال أبو السعود: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى العواقب المنظومة في سلك البيان. وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجتها في الفخامة. و ﴿ تسطع ﴾ مخفف (تستطع) بحذف التاء.

تنبيهات

في بضع ما اشتمل عليه هذا النبأ من الأحكام واللطائف والفوائد الساميات:

الأول: قال السيوطي في (الإكليل): في هذه الآيات أنه لا بأس بالاستخدام واتخاذ الرفيق والخادم في السفر. واستحباب الرحلة في طلب العلم. واستزادة العالم من العلم واتخاذ الزاد للسفر، وأنه لا ينافي التوكل. ونسبة النسيان ونحوه من الأمور المكروهة إلى الشيطان مجازا وتأدبا عن نسبتهما إلى الله تعالى. وتواضع المتعلم لمن يتعلم منه ولو كان دونه في المرتبة. واعتذار العالم إلى من يريد الأخذ عنه في عدم تعليمه مما لا يحتمله طبعه. وتقديم المشيئة في الأمر، واشتراط المتبوع على التابع. وأنه يلزم الوفاء بالشروط. وأن النسيان غير مؤاخذ به. وأن (للثلاث) اعتبارا في التكرار ونحوه. وأنه لا بأس بطلب الغريب الطعام والضيافة. وأن صنع الجميل لا يترك ولو مع اللئام. وجواز أخذ الأجر على الأعمال. وأن المسكين لا يخرج عن المسكنة بكونه له سفينة أو آلة يكتسب بها أو شيء لا يكفيه. وأن الغصب حرام، وأنه يجوز إتلاف بعض مال الغير أو تعييبه، لوقاية باقيه كمال المودع واليتيم. وإذا تعارض مفسدتان ارتكب الأخف. وأن الولد يحفظ بصلاح أبيه. وأنه تجب عمارة ما يخاف منه، ويحرم إهمالها إلى أن تخرب. وأنه يجوز دفن المال في الأرض. انتهى.

وقال البيضاوي: ومن فوائد هذه القصة أن لا يعجب المرء بعلمه. ولا يبادر إنكار ما لم يستحسنه، فلعل فيه شرا لا يعرفه. وأن يداوم على التعلم، ويتذلل للمعلم، ويراعي الأدب في المقال. وأن ينبه المجرم على جرمه، ويعفو عنه حتى يتحقق إصراره، ثم يهاجر عنه. انتهى.

ومن فوائد الآية - كما في (فتح الباري) - استحباب الحرص على لقاء العلماء وتجشم المشاق في ذلك. وإطلاق (الفتى) على التابع واستخدام الحر. وطواعية الخادم لمخدومه. وعذر الناسي وجواز الإخبار بالتعب، ويلحق به الألم من مرض ونحوه. ومحل ذلك إذا كان على غير سخط من المقدور.

ومنها أن المتوجه إلى ربه يعان، فلا يسرع إليه النصب. وفيها جواز طلب القوت. وطلب الضيافة. وقيام العذر بالمرة الواحدة، وقيام الحجة بالثانية. وفيها حسن الأدب مع الله وأن لا يضاف إليه ما يستهجن لفظه، وإن كان الكل بتقديره وخلقه، لقول الخضر عن السفينة

فأردت أن أعيبها

[الكهف: 79] وعن الجدار: ﴿ فأراد ربك ﴾ ومثل هذا قوله صلى الله عليه وسلم:

" والخير بيديك والشر ليس إليك "

انتهى.

ومن فوائدها إطلاق (القرية) على (المدينة) لقوله:

أهل قرية

[الكهف: 77] ثم قوله: ﴿ لغلامين يتيمين في المدينة ﴾.

الثاني: ذكر الناصر في (الانتصاف): شذرات من لطائف بعض الآي المذكورة فنأثرها عنه: قال عليه الرحمة: ورد في الحديث أن موسى عليه السلام لم ينصب، ولم يقل: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، إلا منذ جاوز الموضع الذي حده الله تعالى له. فلعل الحكمة في إنساء يوشع أن يتيقظ موسى عليه السلام؛ لمنة الله تعالى على المسافر في طاعة وطلب علم، بالتيسير عليه وحمل الأعباء عنه. وتلك سنة الله الجارية في حق من صحت له نية في عبادة من العبادات، أن ييسرها، ويحمل عنه مؤنتها، ويتكفل به ما دام على تلك الحالة. وموضع الإيقاظ أنه وجد بين حالة سفره للموعد وحالة مجاوزته، بونا بينا، والله أعلم. وإن كان موسى عليه السلام متيقظا لذلك، فالمطلوب إيقاظ غيره من أمته، بل من أمة محمد عليه الصلاة السلام، إذا قص عليهم القصة. فما أورد الله تعالى قصص أنبيائه ليسمر بها الناس، ولكن ليشمر الخلق لتدبرها واقتباس أنوارها ومنافعها، عاجلا وآجلا. والله أعلم.

محاسن التأويل · الصفحة ١٩١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٩١٠