18.99
﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا ﴾ أي: نفخ فيه للبعث في النشأة الثانية. فجمعناهم للجزاء والحساب جمعا عجيبا لا يكتنه كنهه.
قال إمام: النفخ في الصور تمثيل لبعث الله الناس يوم القيامة بسرعة لا يمثلها إلا نفخة في بوق، فإذا هم قيام ينظرون. وعلينا أن نؤمن بما ورد من النفخ في الصور، وليس علينا أن نعلم ما هي حقيقة ذلك الصور. والبحث وراء هذا عبث لا يسوغ للمسلم. أي: لأنه من عالم الغيب، أي: الأمور المغيبة عنا التي لم نكلف بالبحث عن حقائقها.
18.100
﴿ وعرضنا جهنم ﴾ أي: أظهرناها وأبرزناها ﴿ يومئذ ﴾ أي: يوم إذ جمعنا الخلائق كافة ﴿ للكافرين ﴾ أي: منهم. حيث جعلناهم بحيث يرونها ويسمعون لها تغيظا وزفيرا ﴿ عرضا ﴾ أي: فظيعا هائلا لا يقادر قدره. قال أبو السعود: تخصيص العرض بهم، مع أنها بمرأى من أهل الجمع قاطبة؛ لأن ذلك لأجلهم خاصة. وفي عرضها وإراءتهم ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها مزيد غضب عليهم ونكاية؛ لكونه أبلغ في تعجيل الهم والحزن.
وقوله تعالى: ﴿ الذين كانت... ﴾.
18.101
﴿ الذين كانت أعينهم في غطآء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا ﴾ تمثيل لتعاميهم عن الآيات الدالة على توحيده، أو عن القرآن وتأمل معانيه وتبصرها. ولتصامهم عن الحق واتباع الهدى. وقوله تعالى: ﴿ وكانوا لا يستطيعون سمعا ﴾ أبلغ من (وكانوا صما) لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به. وهؤلاء كأنهم أصميت أسماعهم فلا استطاعة بهم للسمع. أفاده الزمخشري. وفي توصيفهم بالجملتين نكتة أخرى، بها تعلم أنه لا يستغني بالثانية عن الأولى كما زعم، وذلك - كما حققه الشهاب - إن قوله تعالى: ﴿ لا يستطيعون سمعا ﴾ لما أفاد أنهم كفاقدي حاسة السمع، ومن هو كذلك إنما يعرف الذكر بإشارة أو كتابة أو نحوهما، مما يدرك بالنظر، وذكر أن أعينهم محجوبة عن النظر فيما يدل عليه أيضا. فهم لا سبيل لهم إلى معرفة ذكره أصلا. وهذا من البلاغة بمكان.
قال أبو السعود: والموصول يعني: ﴿ الذين ﴾: نعت للكافرين، أو بدل أو بيان جيء به لذمهم بما في حيز الصلة، وللإشعار بعليته لإصابة ما أصابهم من عرض جهنم لهم. فإن ذلك إنما هو لعدم استعمال مشاعرهم فيما عرض لهم في الدنيا من الآيات، وإعراضهم عنها مع كونها أسبابا منجية عما ابتلوا به في الآخرة.