لا سيما مع ما قام البرهان عليه، من أن جرم الشمس أكبر من جرم الأرض. وبرهان آخر قاطع وهو قوله تعالى:
وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما
[الكهف: 86] فصح ضرورة أنه وجد القوم عند العين لا عند الشمس. انتهى كلام ابن حزم.
التنبيه السابع: قال الرازي: الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال. وقيل: جبلان بين أرمينية وأذربيجان. وقيل: هذا المكان في منقطع أرض الترك. وحكى محمد بن جرير الطبري في (تاريخه) أن صاحب أذربيجان أيام فتحها، وجه إنسانا إليه من ناحية الخزر. فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع، وراء خندق عميق وثيق منيع. وذكر ابن خرداد في كتاب (المسالك والممالك) أن الواثق بالله رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه. فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه. فوصفوا أنه بناء من لبن من حديد، مشدود بالنحاس المذاب، وعليه باب مقفل. ثم إن ذلك الإنسان، لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل على البقاع المحاذية لسمرقند. قال أبو الريحان: مقتضى هذا أن موضعه في الربع الشمالي الغربي من المعمورة. والله أعلم بحقيقة الحال. انتهى كلام الرازي.
وقال الإمام ابن حزم في (الملل والنحل) جزء أول صحيفة (120) في تفنيد دعوى اليهود: أن الجنة التي أهبط منها آدم في الأرض، ما مثاله: فإن قيل: ذكر في القرآن سد يأجوج ومأجوج. ولا يدرى مكانه ولا مكانهم. قلنا: مكانه معروف في أقصى الشمال في آخر المعمورة منه. وقد ذكر أمر يأجوج ومأجوج في كتب اليهود التي يؤمنون بها ويؤمن بها النصارى. وقد ذكر يأجوج ومأجوج والسد أرسطاطاليس في كتابه في (الحيوان) عند كلامه على الغرانيق. وقد سد يأجوج ومأجوج بطليموس في كتابه المسمى (جغرافيا) وذكر طول بلادهم وعرضها. وقد بعث إليه الواثق أمير المؤمنين سلام الترجمان في جماعة معه حتى وقفوا عليه. ذكر ذلك أحمد بن الطيب السرخسي وغيره. وقد ذكره قدامة بن جعفر والناس فهيهات خبر من خبر. وحتى لو خفي مكان يأجوج ومأجوج والسد، فلم يعرف في شيء من المعمور مكانه، لما ضر ذلك خبرنا شيئا؛ لأنه كان يكون مكانه حينئذ خلف خط الاستواء حيث يكون ميل الشمس ورجوعها، وبعدها كما هو في الجهة الشمالية. بحيث تكون الآفاق كبعض آفاقنا المسكونة، والهواء كهواء بعض البلاد التي يوجد فيها النبات والتناسل. واعلموا أن كل ما كان في عنصر الإمكان، فأدخله مدخل في عنصر الامتناع بلا برهان - فهو كاذب مبطل جاهل، أو مجاهل، لا سيما إذا أخبر به من قد قام البرهان على صدق خبره. إنما الشأن في المحال الممتنع الذي تكذبه الحواس والعيان أو بديهة العقل فمن جاء بهذا فإنما جاء ببرهان قاطع على أنه كذاب مفتر.
ونعوذ بالله من البلاء انتهى كلام ابن حزم.
قال بعض المحققين: اعلم أنه كثيرا ما يحدث في الثورات البركانية أن تنخسف بعض البلاد أو ترتفع بعض الأراضي حتى تصير كالجبال. وهذا أمر مشاهد حتى في زمننا هذا. فإذا سلم أن سد ذي القرنين المذكور في هذه الآية غير موجود الآن، فربما كان ذلك ناشئا من ثورة بركانية خسفت به وأزالت آثاره. ولا يوجد في القرآن ما يدل على بقائه إلى يوم القيامة. أما قوله تعالى: ﴿ ذا رحمة من ربي فإذا جآء وعد ربي جعله دكآء ﴾ فمعناه أن هذا السد رحمة من الله بالأمم القريبة منه لمنع غارات يأجوج ومأجوج عنهم، ولكن يجب عليهم أن يفهموا أن مع متانته وصلابته لا يمكن أن يقاوم مشيئة الله القوي القدير، فإن بقاءه إنما هو بفضل الله ولكن إذا قامت القيامة وأراد الله فناء هذا العالم، فلا هذا السد ولا غيره من الجبال الراسيات يمكنها أن تقف عثرة لحظة واحدة أمام قدرة الله. بل يدكها جمعاء دكا في لمح البصر. فمراد ذي القرنين بهذا القول تنبيه تلك الأمم على عدم الاغترار بمناعة هذا السد، أو الإعجاب والغرور بقوتهم. فإنها لا شيء يذكر بجانب قوة الله. فلا يصح أن يستنتج من ذلك أن هذا السد يبقى إلى يوم القيامة، بل صريحه أنه إذا قامت القيامة في أي وقت كان, وكان هذا السد موجودا, دكه الله دكا. وأما إذا تأخرت فيجوز أن يدك قبلها بأسباب أخرى. كالزلازل إذا قدم عهده. وكالثورات البركانية كما قلنا. وليس في الآية ما ينافي ذلك. وأما قوله تعالى: