تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله: (خرج من المغرب) إشارة إلى خروجه من مكدونية، التي هي إلى غرب فارس، وذلك حين تقدم على جيوش داريوس وكسره. وتعقبه إلى داخل مملكته. والقصد أن هذا اللقب (ذو القرنين) شهير وليس من أوضاع العرب خاصة، كما زعمه بعضهم بل هو معروف عند العبرانين أيضا. وقد يظهر أنه من رموزهم الخاصة التي سرت إلى العرب، وأقرتهم عليها.

التنبيه الرابع: قال الرازي: اختلفوا في ذي القرنين. هل كان من الأنبياء أم لا؟ منهم من قال: إنه كان نبيا. واحتجوا عليه بوجوه:

الأول: قوله:

إنا مكنا له في الأرض

[الكهف: 84] والأولى حمله على التمكين في الدين. والتمكين الكامل في الدين: هو النبوة.

الثاني: قوله:

وآتيناه من كل شيء سببا

[الكهف: 84] ومن جملة الأشياء النبوة. فمقتضى العموم في قوله:

وآتيناه من كل شيء سببا

[الكهف: 84] هو أنه تعالى آتاه من النبوة سببا.

الثالث: قوله تعالى:

قلنا يذا القرنين إمآ أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا

[الكهف: 86] والذي يتكلم الله معه لابد أن يكون نبيا.

ومنهم من قال: إنه عبدا صالحا وما كان نبيا. انتهى.

ثم قال الرازي بعد: يدل قوله تعالى:

قلنا يذا القرنين

[الكهف: 86] على أنه تعالى تكلم معه من غير واسطة. وذلك يدل على أنه كان نبيا. وحمل هذا اللفظ على أن المراد أنه خاطبه على ألسنة بعض الأنبياء - فهو عدول عن الظاهر. انتهى.

ولا يخفى ضعف الاستدلال بهذه الأدلة على نبوته؛ لأن مقام إثباتها يحتاج إلى تنصيص وتخصيص. وأما تعمق الجري وراء العمومات، لاستفادة مثل ذلك، فغير مقنع.

وأما قوله تعالى:

قلنا يذا القرنين

[الكهف: 86] فقدمنا أنه كناية عن تمكينه تعالى له منهم. لا لأنه قول مشافهة. وإلا لو كان ذلك لكان مخيرا منه تعالى وملقنا ما يفعل بهم. فأنى يسوغ له نقضه باجتهاد آخر؟ ولا يقال إن الأصل في الإطلاق الحقيقة. لأنا نقول به ما لم يمنع منه مانع من نحو ما ذكرناه. وللتنزيل الكريم أسلوب خاص، عرفه من أنعم النظر في بديع بيانه. نعم. لو كان مراد القائل بنبوته أنه من الملهمين - ذهابا في النبوة إلى المعنى الأعم من الإيحاء بشرع، ومن الإلهام، لكان قريبا. فتكون نبوته من القسم الثاني وهو الإلهام. ويطلق الصوفية على مثله الوارد. وجاء في الحديث تسمية صاحبه محدثا. وإطلاق النبوة عليه، وإن كان محظورا في الإسلام، إلا أنه كان معروفا قبله في العباد الأخيار.

التنبيه الخامس: حكي في قوله تعالى:

ويسألونك عن ذي القرنين

[الكهف: 83] قولان في أن السائلين هم اليهود أو غيرهم. ورجح الأول من وجهتين:

أولهما: أن للإسكندر عند اليهود شأنا وقدرا. وذلك لما حكي أنه لما فتح غزة ودنا من بيت المقدس، خرج إليه رئيس أحبارها وقدم إليه الطاعة.

فدخلها إسكندر وسمع نبوة التوراة فسر وأحسن إلى اليهود. وتعقب بعض المؤرخين هذه الرواية بأنها غير مأثورة في كتب اليونان، ولم يروها أحد من مؤرخيهم.

ثانيهما: أن عنوان (ذو القرنين) من رموز الإسرائيليين كما قدمناه عنهم.

التنبيه السادس: قالوا: المراد: (العين الحمئة) البحر المحيط. وتسميته عينا لكونه بالنسبة لعظم قدرته تعالى، كقطرة. وإن عظم عندنا. قالوا: رأى الشمس في منظره تغرب في البحر. وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تغرب فيه. وهي لا تفارق فلكها.

وللإمام ابن حزم عليه الرحمة - رأي آخر في الآية. ذكره في كتاب (الملل) في بحث كروية الأرض قال: ذو القرنين هو كان في العين الحمئة الحامية كما تقول: (رأيتك في البحر) تريد أنك إذا رأيته كنت أنت في البحر. وبرهان هذا أن مغرب الشمس لا يجهل مقدار عظيم مساحته إلا جاهل. ومقدار ما بين أول مغربها الشتوي إذا كانت من آخر رأس الجدي إلى آخر مغربها الصيفي إذا كانت من رأس السرطان - مرئي مشاهد. ومقداره ثمان وأربعون درجة من الفلك. وهو يوازي من الأرض كلها بالبرهان الهندسي أقل من مقدار السدس. يكون من الأميال نحو ثلاثة آلاف ميل ونيف. وهذه المساحة لا يقع عليها في اللغة اسم (عين) البتة. لا سيما أن تكون (عينا حمئة) حامية. وباللغة العربية خوطبنا. فلما تيقنا أنها (عين) بإخبار الله عز وجل، الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، علمنا يقينا أن ذا القرنين انتهى به السير في الجهة التي مشى فيها من المغارب إلى العين المذكورة. وانقطع له إمكان المشي بعدها لاعتراض البحار له هنالك. وقد علمنا بالضرورة أن ذا القرنين وغيره من الناس، ليس يشغل من الأرض إلا مقدار مساحة جسمه فقط قائما، أو قاعدا أو مضطجعا. ومن هذه صفته، فلا يجوز أن يحيط بصره من الأرض، بمقدار مكان المغارب كلها، لو كان مغيبها في عين من الأرض. كما يظن أهل الجهل. ولا بد من أن يلقى خط بصره من حدبة الأرض، ومن نشز من أنشازها ما يمنع الخط من التمادي، إلا أن يقول قائل: إن تلك العين هي البحر. فلا يجوز أن يسمى البحر في اللغة (عينا حمئة) ولا حامية. وقد أخبر الله عز وجل أن الشمس تسبح في الفلك. وأنها إنما هي من الفلك سراج. وقول الله تعالى هو الصدق الذي لا يتناقض. فلو غابت في عين من الأرض كما يظن أهل الجهل، أو في البحر، لكانت الشمس قد زالت عن السماء وخرجت عن الفلك، وهذا هو الباطل. فصح يقينا بلا شك، أن ذا القرنين كان هو في العين الحمئة والحامية، حين انتهى إلى آخر البر في المغارب.

محاسن التأويل · الصفحة ١٩٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٩٢٢