الرابع: أبدى بعضهم سرا للتعبير أولا (بتستطع) ثم أخيرا (بتسطع) بحذف التاء قال: لما أن فسر الخضر لموسى، وبين له تأويل ما لم يصبر معه، ووضحه وأزال المشكل، قال: (تسطع) بحذف التاء.
وقيل ذلك كان الإشكال قويا ثقيلا. فقال:
سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا
[الكهف: 78] فقابل الأثقل بالأثقل والأخف بالأخف. كما قال:
فما اسطاعوا أن يظهروه
[الكهف: 97] وهو الصعود إلى أعلاه،
وما استطاعوا له نقبا
[الكهف: 97] وهو أشق من ذلك. فقابل كلا بما يناسبه لفظا ومعنى. انتهى.
وقال الشهاب: وإنما خص هذا بالتخفيف لأنه لما تكرر في القصة ناسب تخفيف الأخير منه. وأما كونه للإشارة إلى أنه خف على موسى صلى الله عليه وسلم ما لقيه ببيان سببه - فيبعد أنه في الحكاية، لا المحكي. انتهى.
وما ألطف قول الشهاب في مثله: هذه زهرة لا تحتمل هذا الفرك.
الخامس: قال الإمام السبكي رحمه الله: ما فعله الخضر عليه الصلاة والسلام من قتل الغلام لكونه طبع كافرا، مخصوص به؛ لأنه أوحي إليه أن يعمل بالباطن، وخلاف الظاهر الموافق للحكمة. فلا إشكال فيه. وإن علم من الشريعة أنه لا يجوز قتل صغير لا سيما بين أبوين مؤمنين. ولو فرضنا أن الله أطلع بعض أوليائه، كما أطلع الخضر عليه السلام، لم يجز له ذلك. وما ورد عن ابن عباس (لما كتب إليه نجدة الحروري: كيف قتله وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الولدان؟ فكتب إليه: إن كنت علمت من حال الولدان، ما علمه عالم موسى، فلك أن تقتل) فإنما قصد به ابن عباس المحاجة والإحالة على ما لم يمكن قطعا، لطمعه في الاحتجاج بقصة الخضر عليه الصلاة والسلام. وليس مقصوده أنه إن حصل ذلك يجوز، لأنه لا تقتضيه الشريعة، وكيف يقتل بسبب لم يحصل؟ والمولود لا يوصف بكفر حقيقي ولا إيمان حقيقي، وقصة الخضر تحمل على أنه كان شرعا مستقلا به. وهو نبي وليس في شريعة موسى أيضا؛ ولذا أنكره. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح): وأما من استدل به على جواز دفع أغلظ الضررين بأخفهما، فصحيح. لكن فيما لا يعارض منصوص الشرع. فلا يسوغ الإقدام على قتل النفس ممن يتوقع منه أن يقتل أنفسا كثيرة، قبل أن يتعاطى شيئا من ذلك. وإنما فعل الخضر ذلك لإطلاع الله تعالى عليه.
وقال ابن بطال: قول الخضر (وأما الغلام فكان كافرا) هو باعتبار ما يؤول إليه أمره أن لو عاش حتى يبلغ. واستحباب مثل هذا القتل لا يعلمه إلا الله. ولله أن يحكم في خلقه بما يشاء قبل البلوغ وبعده.
أقول: مفاد الآية، أن إنكار موسى لقتل الغلام لكونه جناية بغير موجب. ولذا قال:
بغير نفس
[الكهف: 74] لا لكونه صغيرا لم يبلغ الحنث؛ لأن الآية لا تفيده.
وقد يكون كبيرا. فقد قال اللغويون: الغلام الطار الشاب، أو من حين يولد إلى أن يشب، والكهل أيضا. ومن الأخير قول موسى في قصة الإسراء عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" أبكي لأن غلاما بعث بعدي "
الخ نعم ربما يشعر بصغره حديث البخاري: وجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما فذبحه قال موسى: أقتلت نفسا لم تعمل بالحنث. ولكن لا نص فيه، فتأمل.
السادس: أكثر العلماء على أن موسى المذكور في الآية، هو موسى بن عمران صاحب الآيات الشهيرة وصاحب التوراة. وذهب نوف البكالي - تابعي صدوق ابن امرأة كعب الأحبار أو ابن أخيه - إلى أنه ليس بموسى بن عمران كما في البخاري. ووقع في رواية ابن إسحاق عن سعيد بن جبير، عند (النسائي) قال: كنت عند ابن عباس وعنده قوم من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا عباس؛ إن نوفا يزعم عن كعب الأحبار أن موسى الذي طلب العلم إنما هو موسى بن منسا. أي: ابن إفراثيم بن يوسف عليه السلام. فقال ابن عباس: أسمعت ذلك منه يا سعيد؟ قلت: نعم. قال: كذب نوف. وفي رواية البخاري: كذب عدو الله. وإنما قال ذلك مبالغة في الإنكار والتنفير من تصديق مقالته. قال الرازي: كان ليوسف ولدان إفراثيم. ومنسا. فولد إفراثيم نون وولد نون يوشع صاحب موسى وولي عهده بعد وفاته. وأما ولد منسا، قيل إنه جاءته النبوة قبل موسى بن عمران. ويزعم أهل التوراة أنه هو الذي طلب هذا العلم ليتعلم. والخضر هو الذي خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار، وموسى بن منسا معه. هذا هو قول جمهور اليهود. واحتج القفال على صحة القول بأنه موسى صاحب التوراة أنه لم يذكر في القرآن وهو المراد. فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه. ولو كان المراد غيره لوجب تعريفه بصفة تميزه وتزيل الاشتباه عنه، والله أعلم. انتهى.