وأما ابن عباس فكان سنده في ذلك، كما في البخاري، ما حدثه به أبي بن كعب ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن موسى سئل هل في الأرض أحد أعلم منك؟ فقال: لا. أو حدثته نفسه بذلك. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. وأراد تعريفه أن من عباده في الأرض من هو أعلم منه؛ لئلا يحتم على ما لا علم له به. وإذا صح أن موسى هو صاحب التوراة، فيكون المراد بفتاه يوشع. وكان موسى اختصه برفقته لكونه صادقا في خدمته، والغيرة على كرامته، والحب له؛ ولذا صار خليفته بعده، وفتح عليه بيت المقدس ونصر عل الجبارين، كما هو معروف.
السابع: قال الأكثرون: إن صاحب موسى المعبر عنه بقوله تعالى:
عبدا من عبادنآ
[الكهف: 65] هو الخضر. قالوا: سمي بذلك لأنه ما جلس على الأرض إلا اخضرت.
وقد صح عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى. فقال ابن عباس: هو خضر، فمر بهما أبي بن كعب. فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا، في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه. فهل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" بينا موسى في ملأ من بين إسرائيل، إذ جاءه رجل فقال: تعلم مكان أحد أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى: بلى. عبدنا خضر فسأل موسى السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت فارجع فإنك ستلقاه. فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر. فقال موسى: ﴿ ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا ﴾ [الكهف: 64] فوجدا خضرا. وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه ".
الثامن: اختلف أهل العلم في نسب الخضر وفي كونه نبيا وفي طول عمره وبقاء حياته على أقوال كثيرة. فمن قائل بأنه ابن آدم لصلبه أو ابن قابيل أو ابن اليسع، أو غير ذلك. وكله مما ليس فيه أثارة من علم، وقد احتج من قال إنه نبي بقوله تعالى: ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ لأن الظاهر من هذا أنه فعله بأمر الله. والأصل عدم الواسطة. وقيل: كان وليا. وقيل: مقامه دون النبوة وفوق الصديقية فهو مقام برزخي، له وجه إلى النبوة ووجه إلى الولاية. وقيل: إنه ملك من الملائكة. وأما تعميره فيروى عن ابن عباس أنه أنسئ للخضر في أجله حتى يكذب الدجال.
قال النووي في (التهذيب) قال الأكثرون: هو حي موجود بين أظهرنا. وذلك متفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة. وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله، ووجوده في المواضع الشريفة، أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تذكر. وقال البخاري وطائفة من أهل الحديث: إنه مات.
وقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: وأما رواية اجتماعه مع النبي صلى الله عليه وسلم وتعزيته لأهل البيت، فلا يصح من طرقها شيء. ولا يثبت اجتماعه مع أحد من الأنبياء إلا مع موسى. وجميع ما ورد في حياته لا يصح منه شيء، باتفاق أهل النقل. وأما ما جاء من المشايخ فهو مما يتعجب منه. كيف يجوز لعاقل أن يلقى شيخا لا يعرفه فيقول له: أنا فلان فيصدقه؟؟؟. انتهى كلامه ملخصا.
وتمسك من قال بتعميره بقصة عين الحياة، واستند إلى ما وقع من ذكرها في صحيح البخاري وجامع الترمذي. ولكن لم يثبت ذلك مرفوعا.
وقال أبو حيان في (تفسيره): الجمهور على أن الخضر مات. وبه قال ابن أبي الفضل المرسي؛ لأنه لو كان حيا لزمه المجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان به واتباعه.
وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي "
وبذلك جزم ابن المناوي وإبراهيم الحربي وأبو طاهر العبادي. وممن جزم بأنه غير موجود الآن، أبو يعلى الحنبلي وأبو الفضل بن ناصر والقاضي أبو بكر بن العربي, وأبو بكر بن النقاش وابن الجوزي واستدل على ذلك بأدلة. منها قوله تعالى: