ثم قال عليه الرحمة: ومما يدل على أن موسى عليه السلام إنما حمله على المبادرة بالإنكار، الالتهاب والحمية للحق، أنه قال حين خرق السفينة
أخرقتها لتغرق أهلها
[الكهف: 71]، ولم يقل " لتغرقنا " فنسي نفسه واشتغل بغيره, في الحالة التي كل أحد فيها يقول: (نفسي نفسي) لا يلوي على مال ولا ولد. وتلك حالة الغرق. فسبحان من جبل أنبياءه وأصفياءه على نصح الخلق والشفقة عليهم والرأفة بهم. صلوات الله عليهم أجمعين وسلامه.
ثم قال عليه الرحمة على قوله الزمخشري: [فإن قلت: قوله:
فأردت أن أعيبها
[الكهف: 79] مسبب عن خوف الغصب عليها، فكان حقه أن يتأخر عن السبب، فلم قدم عليه؟ قلت: النية به التأخير. وإنما قدم للعناية؛ ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين. فكان بمنزلة قولك: (زيد ظني مقيم)].
فقال عليه الرحمة: كأنه جعل السبب في إعابتها كونها لمساكين. ثم بين مناسبة هذا السبب للمسبب، بذكر عادة الملك في غصب السفن. وهذا هو حد الترتيب في التعليل أن يرتب الحكم على السبب، ثم يوضح المناسبة فيما بعد. فلا يحتاج إلى جعله مقدما، والنية تأخيره.
والله أعلم.
ثم قال: ولقد تأملت من فصاحة هذه الآي والمخالفة بينها في الأسلوب عجبا. ألا تراه في الأولى أسند الفعل إلى ضميره خاصة بقوله:
فأردت أن أعيبها
[الكهف: 79] وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله:
فأردنآ أن يبدلهما ربهما
[الكهف: 81]،
فخشينآ أن يرهقهما
[الكهف: 80] ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى؛ لأن المراد (ثم عبت) فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه. وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك (أمرنا بكذا أو دبرنا كذا) وإنما يعنون: (أمر الملك ودبر) ويدل على ذلك قوله في الثالثة: ﴿ فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ﴾ فانظر كيف تغايرت هذه الأساليب، ولم تأت على نمط واحد مكرر، يمجها السمع وينبو عنها، ثم انطوت هذه المخالفة على رعاية الأسرار المذكورة. فسبحان اللطيف الخبير.
الثالث: قال الخفاجي: في إعادة لفظ (الأهل) هنا، يعني في قوله تعالى:
استطعمآ أهلها
[الكهف: 77] إثر قوله:
أتيآ أهل قرية
[الكهف: 77] سؤال مشهور. وقد نظمه الصلاح الصفدي سائلا عنه السبكي في قصيدة منها:
رأيت كتاب الله أعظم معجز
لأفضل من يهدى به الثقلان
ومن جملة الإعجاز كون اختصاره
بإيجاز ألفاظ وبسط معاني
ولكنني في (الكهف) أبصرت آية
بها الفكر، في طول الزمان عناني
وما هي إلا (استطعما أهلها) فقد
نرى (استطعماهم) مثله ببيان
فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر
مكان ضمير؟ إن ذاك لشان
يعني أنه عدل عن الظاهر بإعادة لفظ (أهل) ولم يقل: (استطعماها) لأنه صفة القرية أو (استطعماهم) لأنه صفة (أهل) فلا بد من وجه. وقد أجابوا عنه بأجوبة مطولة نظما ونثرا. والذي تحرر فيه أنه ذكر (الأهل) أولا ولم يحذف إيجازا، سواء قدر أو تجوز في القرية، كقوله:
وسئل القرية
[يوسف: 82] لأن الإتيان ينسب للمكان. نحو (أتيت عرفات) ولمن فيه نحو (أتيت بغداد) فلو لم يذكر كان فيه التباس مخل. فليس ما هنا نظير تلك الآية لامتناع سؤال نفس القرية، فلا يستعمل استعمالها. وأما (الأهل) الثاني فأعيد لأنه غير الأول. وليست كل معرفة أعيدت عينا كما بينوه. لأن المراد به بعضهم. إذ سؤالهم فردا فردا مستبعد. فلو لم يذكر، فهم غير المراد. أما لو قيل: (استطعماهم) فظاهر. وأما لو قيل (استطعماها) فإن النسبة إلى المحل تفيد الاستيعاب، كما أثبتوه في محله. وأما إتيان جميع القرية فهو حقيقة في الوصول إلى بعض منها. كما يقال: (زيد في البلد) أو (في الدار) وقيل: إن الأهل أعيد للتأكيد كقوله:
ليت الغراب غداة ينعب بيننا
كان الغراب مقطع الأوداج
أو لكراهة اجتماع ضميرين متصلين؛ لبشاعته واستطالته، وثمة أجوبة أخرى.