20.51
﴿ قال فما بال القرون الأولى ﴾ فما حالهم بعد موتهم من السعادة والشقاوة.
20.52
﴿ قال علمها عند ربى ﴾ أي هو غيب لا يعلمه إلا هو وإنما أنا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به. ﴿ فى كتب ﴾ مثبت في اللوح المحفوظ، ويجوز أن يكون تمثيلا لتمكنه في علمه بما استحفظه العالم وقيده بالكتبة ويؤيده. ﴿ لا يضل ربى ولا ينسى ﴾ والضلال أن تخطىء الشيء في مكانه فلم تهتد إليه، والنسيان أن تذهب عنه بحيث لا يخطر ببالك، وهما محالان على العالم بالذات، ويجوز أن يكون سؤاله دخلا على إحاطة قدرة الله تعالى بالأشياء كلها وتخصيصه ابعاضها بالصور والخواص المختلفة، بأن ذلك يستدعي علمه بتفاصيل الأشياء وجزئياتها، والقرون الخالية مع كثرتهم وتمادي مدتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط علمه بهم وبأجزائهم وأحوالهم فيكون معنى الجواب: أن علمه تعالى محيط بذلك كله وأنه مثبت عنده لا يضل ولا ينسى.
20.53-70
﴿ الذى جعل لكم الأرض مهدا ﴾ مرفوع صفة ل ﴿ ربى ﴾ أو خبر لمحذوف أو منصوب على المدح. وقرأ الكوفيون هنا وفي «الزخرف» ﴿ مهدا ﴾ أي كالمهد تتمدونها، وهو مصدر سمي به، والباقون مهادا وهو اسم ما يمهد كالفراش أو جمع مهد ولم يختلفوا في الذي في «النبأ». ﴿ وسلك لكم سبلا ﴾ وجعل لكم فيها سبلا بين الجبال والأودية والبراري تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها. ﴿ وأنزل من السماء ماء ﴾ مطرا. ﴿ فأخرجنا به ﴾ عدل به عن لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم على الحكاية لكلام الله تعالى، تنبيها على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة وإيذانا بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته، وعلى هذا نظائره كقوله:
ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها
[فاطر: 27]
أم من خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق
[النمل: 60] الآية. ﴿ أزوجا ﴾ أصنافا سميت بذلك لازدواجها واقتران بعضها ببعض. ﴿ من نبت ﴾ بيان أو صفة لأزواجا وكذلك: ﴿ شتى ﴾ ويحتمل أن يكون صفة ل ﴿ نبات ﴾ فإنه من حيث إنه مصدر في الأصل يستوي فيه الواحد والجمع، وهو جمع شتيت كمريض ومرضى أي متفرقات في الصور والأغراض والمنافع يصلح بعضها للناس وبعضها للبهائم فلذلك قال:
﴿ كلوا وارعوا أنعمكم ﴾ وهو حال من ضمير ﴿ فأخرجنا ﴾ على إرادة القول أي أخرجنا أصناف النبات قائلين ﴿ كلوا وارعوا ﴾ ، والمعنى معديهما لانتفاعكم بالأكل والعلف آذنين فيه. ﴿ إن فى ذلك لأيت لأولى النهى ﴾ لذوي العقول الناهية عن اتباع الباطل وارتكاب القبائح جمع نهية.
﴿ منها خلقنكم ﴾ فإن التراب أصل خلقة أول آبائكم وأول مواد أبدانكم. ﴿ وفيها نعيدكم ﴾ بالموت وتفكيك الأجزاء. ﴿ ومنها نخرجكم تارة أخرى ﴾ بتأليف أجزائكم المتفتتة المختلطة بالتراب على الصور السابقة ورد الأرواح إليها.
﴿ ولقد أرينه ءايتنا ﴾ بصرناه إياها أو عرفناه صحتها. ﴿ كلها ﴾ تأكيد لشمول الأنواع أو لشمول الأفراد، على أن المراد بآياتنا آيات معهودة وهي الآيات التسع المختصة بموسى، أو أنه عليه السلام أراه آياته وعدد عليه ما أوتي غيره من المعجزات ﴿ فكذب ﴾ موسى من فرط عناده. ﴿ وأبى ﴾ الإيمان والطاعة لعتوه.
﴿ قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا ﴾ أرض مصر. ﴿ بسحرك يموسى ﴾ هذا تعلل وتحير ودليل على أنه علم كونه محقا حتى خاف منه على ملكه، فإن الساحر لا يقدر أن يخرج ملكا مثله من أرضه.
﴿ فلنأتينك بسحر مثله ﴾ مثل سحرك. ﴿ فاجعل بيننا وبينك موعدا ﴾ وعدا لقوله: ﴿ لا نخلفه نحن ولا أنت ﴾ فإن الإخلاف لا يلائم الزمان والمكان وانتصاب. ﴿ مكانا سوى ﴾ بفعل دل عليه المصدر لا به لأنه موصوف، أو بأنه بدل من ﴿ موعدا ﴾ على تقدير مكان مضاف إليه وعلى هذا يكون طباق الجواب في قوله.