تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20.24

﴿ اذهب إلى فرعون ﴾ بهاتين الآيتين وادعه إلى العبادة. ﴿ إنه طغى ﴾ عصى وتكبر.

20.25-40

﴿ قال رب اشرح لى صدرى ويسر لى أمرى ﴾ لما أمره الله بخطب عظيم وأمر جسيم سأله أن يشرح صدره ويفسح قلبه لتحمل أعبائه والصبر على مشاقه، والتلقي لما ينزل عليه ويسهل الأمر له بإحداث الأسباب ورفع الموانع، وفائدة لي إبهام المشروح والميسر أولا، ثم رفعه بذكر الصدر والأمر تأكيدا ومبالغة.

﴿ واحلل عقدة من لسانى يفقهوا قولي ﴾ فإنما يحسن التبليغ من البليغ وكان في لسانه رتة من جمرة أدخلها فاه، وذلك أن فرعون حمله يوما فأخذ بلحيته ونتفها، فغضب وأمر بقتله فقالت آسية: إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، فأحضرا بين يديه فأخذ الجمرة ووضعها في فيه. ولعل تبييض يده كان لذلك. وقيل احترقت يده فاجتهد فرعون في علاجها فلم تبرأ، ثم لما دعاه قال إلى أي رب تدعوني قال إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنه. واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله

قد أوتيت سؤلك يموسى

[طه: 36] ومن لم يقل احتج بقوله

هو أفصح منى لسانا

[القصص: 34] وقوله

ولا يكاد يبين

[الزخرف: 52] وأجاب عن الأول بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه مطلقا بل عقدة تمنع الإفهام ولذلك نكرها وجعل يفقهوا جواب الأمر، ومن لساني يحتمل أن يكون صفة عقدة وأن يكون صلة احلل.

﴿ واجعل لى وزيرا من أهلى هرون أخى ﴾ يعينني على ما كلفتني به، واشتقاق الوزير إما من الوزير لأنه يحمل الثقل عن أميره، أو من الوزر وهو الملجأ لأن الأمير يعتصم برأيه ويلتجىء إليه في أموره، ومنه الموازرة وقيل أصله أزير من الأزر بمعنى القوة، فعيل بمعنى مفاعل كالعشير والجليس قلبت همزته واوا كقلبها في موازر. ومفعولا اجعل وزيرا، و ﴿ هرون ﴾ قدم ثانيهما للعناية به و ﴿ لى ﴾ صلة أو حال أو ﴿ لى وزيرا ﴾ و ﴿ هرون ﴾ عطف بيان للوزير، أو ﴿ وزيرا من أهلى ﴾ و ﴿ لى ﴾ تبيين كقوله ﴿ ولم يكن له كفوا أحد ﴾. و ﴿ أخى ﴾ على الوجوه بدل من ﴿ هرون ﴾ أو مبتدأ خبره.

﴿ اشدد به أزرى وأشركه فى أمرى ﴾ على لفظ الأمر وقرأهما ابن عامر بلفظ الخبر على أنهما جواب الأمر.

﴿ كى نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا ﴾ فإن التعاون يهيج الرغبات ويؤدي إلى تكاثر الخير وتزايده.

﴿ إنك كنت بنا بصيرا ﴾ عالما بأحوالنا وأن التعاون مما يصلحنا، وأن هرون نعم المعين لي فيما أمرتني به.

﴿ قال قد أوتيت سؤلك يموسى ﴾ أي مسؤولك، فعل بمعنى مفعول كالخبز والأكل بمعنى المخبوز والمأكول.

﴿ ولقد مننا عليك مرة أخرى ﴾ أي أنعمنا عليك في وقت آخر.

﴿ إذ أوحينا إلى أمك ﴾ بإلهام أو في منام أو على لسان نبي في وقتها أو ملك لا على وجه النبوة كما أوحي إلى مريم.

﴿ ما يوحى ﴾ ما لا يعلم إلا بالوحي، أو مما ينبغي أن يوحى ولا يخل به لعظم شأنه وفرط الاهتمام به.

﴿ أن اقذفيه فى التابوت ﴾ بأن اقذفيه، أو أي اقذفيه لأن الوحي بمعنى القول. ﴿ فاقذفيه فى اليم ﴾ والقذف يقال للإلقاء وللوضع كقوله تعالى:

وقذف فى قلوبهم الرعب

[الأحزاب: 26] وكذلك الرمي كقوله:

غلام رماه الله بالحسن يافعا

﴿ فليلقه اليم بالساحل ﴾ لما كان إلقاء البحر إياه إلى الساحل أمرا واجب الحصول لتعلق الإرادة به، وجعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع أمره بذلك وأخرج الجواب مخرج الأمر، والأولى أن تجعل الضمائر كلها لموسى مراعاة للنظم، فالمقذوف في البحر والملقى إلى الساحل وإن كان التابوت بالذات فموسى بالعرض. ﴿ يأخذه عدو لى وعدو له ﴾ جواب ﴿ فليلقه ﴾ وتكرير ﴿ عدو ﴾ للمبالغة، أو لأن الأول باعتبار الواقع والثاني باعتبار المتوقع. قيل إنها جعلت في التابوت قطنا ووضعته فيه ثم قبرته وألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر فدفعه الماء إليه فأداه إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالسا على رأسها مع امرأته آسية بنت مزاحم، فأمر به فأخرج ففتح فإذا هو صبي أصبح الناس وجها فأحبه حبا شديدا كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وألقيت عليك محبة منى ﴾ أي محبة كائنة مني قد زرعتها في القلوب بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك فلذلك أحبك فرعون، ويجوز أن يتعلق ﴿ مني ﴾ ب ﴿ ألقيت ﴾ أي أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب، وظاهر اللفظ أن اليم ألقاه بساحله وهو شاطئه لأن الماء يسحله فالتقط منه، لكن لا يبعد أن يؤول الساحل بجنب فوهة نهره. ﴿ ولتصنع على عينى ﴾ لتربى ويحسن إليك وأنا راعيك وراقبك، والعطف على علة مضمرة مثل ليتعطف عليك، أو على الجملة السابقة بإضمار فعل معلل مثل فعلت ذلك. وقرىء ﴿ ولتصنع ﴾ بكسر اللام وسكونها والجزم على أنه أمر ﴿ ولتصنع ﴾ بالنصب وفتح التاء أي وليكن عملك على عين مني لئلا تخالف به عن أمري.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٧٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٧٩٧