﴿ قال ما مكنى فيه ربى خير ﴾ ما جعلني فيه مكينا من المال والملك خير مما تبذلون لي من الخراج ولا حاجة بي إليه.
وقرأ ابن كثير «مكنني» على الأصل. ﴿ فأعينونى بقوة ﴾ أي بقوة فعلة أو بما أتقوى به من الآلات. ﴿ أجعل بينكم وبينهم ردما ﴾ حاجزا حصينا وهو أكبر من السد من قولهم ثوب مردم إذا كان رقاعا فوق رقاع.
﴿ ءاتونى زبر الحديد ﴾ قطعه والزبرة القطعة الكبيرة، وهو لا ينافي رد الخراج والاقتصار على المعونة لأن الإيتاء بمعنى المناولة، ويدل عليه قراءة أبي بكر«ردما ائتونى» بكسر التنوين موصولة الهمزة على معنى جيئوني بزبر الحديد، والباء محذوفة حذفها في أمرتك الخير ولأن إعطاء الآلة من الإعانة بالقوة دون الخراج على العمل. ﴿ حتى إذا ساوى بين الصدفين ﴾ بين جانبي الجبلين بتنضيدها. وقرأ ابن كثير وابن عامر والبصريان بضمتين، وأبو بكر بضم الصاد وسكون الدال، وقرىء فتح الصاد وضم الدال وكلها لغات من الصدف وهو الميل لأن كلا منهما منعزل عن الآخر ومنه التصادف للتقابل. ﴿ قال انفخوا ﴾ أي قال للعملة انفخوا في الأكوار والحديد. ﴿ حتى إذا جعله ﴾ جعل المنفوخ فيه. ﴿ نارا ﴾ كالنار بالإحماء. ﴿ قال آتونى أفرغ عليه قطرا ﴾ أي آتوني قطرا أي نحاسا مذابا أفرغ عليه قطرا، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه. وبه تمسك البصريون على أن إعمال الثاني من العاملين المتوجهين نحو معمول واحد أولى، إذ لو كان قطرا مفعول أفرغ حذرا من الإلباس. وقرأ حمزة وأبو بكر قال ﴿ ءاتونى ﴾ موصولة الألف.
﴿ فما اسطعوا ﴾ بحذف التاء حذرا من تلاقي متقاربين. وقرأ حمزة بالإدغام جامعا بين الساكنين على غير حده. وقرىء بقلب السين صادا. ﴿ أن يظهروه ﴾ أن يعلوه بالصعود لارتفاعه وانملاسه. ﴿ وما استطعوا له نقبا ﴾ لثخنه وصلابته. وقيل حفر للأساس حتى بلغ الماء، وجعله من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى ساوى أعلى الجبلين، ثم وضع المنافيخ حتى صارت كالنار فصب النحاس المذاب عليه فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا. وقيل بناه من الصخور مرتبطا بعضها ببعض بكلاليب من حديد ونحاس مذاب في تجاويفها.
﴿ قال هذا ﴾ هذا السد أو الأقدار على تسويته. ﴿ رحمة من ربى ﴾ على عباده. ﴿ فإذا جاء وعد ربى ﴾ وقت وعده بخروج يأجوج ومأجوج، أو بقيام الساعة بأن شارف يوم القيامة. ﴿ جعله دكا ﴾ مدكوكا مبسوطا مسوى بالأرض، مصدر بمعنى مفعول ومنه جمل أدك لمنبسط السنام. وقرأ الكوفيون دكاء بالمد أي أرضا مستوية. ﴿ وكان وعد ربى حقا ﴾ كائنا لا محالة وهذا آخر حكاية قول ذي القرنين.
﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض ﴾ وجعلنا بعض يأجوج ومأجوج حين يخرجون مما وراء السد يموجون في بعض مزدحمين في البلاد، أو يموج بعض الخلق في بعض فيضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم حيارى ويؤيده قوله: ﴿ ونفخ فى الصور ﴾ لقيام الساعة. ﴿ فجمعنهم جمعا ﴾ للحساب والجزاء.
﴿ وعرضنا جهنم يومئذ للكفرين عرضا ﴾ وأبرزناها وأظهرناها لهم.