تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18.10

﴿ إذ أوى الفتية إلى الكهف ﴾ يعني فتية من أشراف الروم أرادهم دقيانوس على الشرك فأبوا وهربوا إلى الكهف، ﴿ فقالوا ربنا ءاتنا من لدنك رحمة ﴾ توجب لنا المغفرة والرزق والأمن من العدو. ﴿ وهيىء لنا من أمرنا ﴾ من الأمر الذي نحن عليه من مفارقة الكفار. ﴿ رشدا ﴾ نصير بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا كله رشدا كقولك: رأيت منك أسدا وأصل التهيئة إحداث هيئة الشيء.

18.11

﴿ فضربنا على ءاذانهم ﴾ أي ضربنا عليهم حجابا يمنع السماع بمعنى أنمناهم إنامة لا تنبههم فيها الأصوات، فحذف المفعول كما حذف في قولهم: بنى على امرأته. ﴿ فى الكهف سنين ﴾ ظرفان لضربنا. ﴿ عددا ﴾ أي ذوات عدد، ووصف السنين به يحتمل التكثير والتقليل، فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده.

18.12-20

﴿ ثم بعثنهم ﴾ أيقظناهم. ﴿ لنعلم ﴾ ليتعلق علمنا تعلقا حاليا مطابقا لتعلقه أولا تعلقا استقباليا. ﴿ أي الحزبين ﴾ المختلفين منهم أو من غيرهم في مدة لبثهم. ﴿ أحصى لما لبثوا أمدا ﴾ ضبط أمد الزمان لبثهم وما في أي من معنى الاستفهام علق عنه لنعلم، فهو مبتدأ و ﴿ أحصى ﴾ خبره. وهو فعل ماض و ﴿ أمدا ﴾ مفعول له و ﴿ لما لبثوا ﴾ حال منه أو مفعول له، وقيل إنه المفعول واللام مزيدة وما موصولة و ﴿ أمدا ﴾ تمييز، وقيل ﴿ أحصى ﴾ اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد كقولهم: هو أحصى للمال وأفلس من ابن المذلق، و ﴿ أمدا ﴾ نصب بفعل دل عليه ﴿ أحصى ﴾ كقوله:

وأضرب منا بالسيوف القوانسا

﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق ﴾ بالصدق. ﴿ إنهم فتية ﴾ شبان جمع فتى كصبي وصبية. ﴿ ءامنوا بربهم وزدنهم هدى ﴾ بالتثبيت.

﴿ وربطنا على قلوبهم ﴾ وقويناها بالصبر على هجر الوطن والأهل والمال، والجراءة على إظهار الحق والرد على دقيانوس الجبار. ﴿ إذ قاموا ﴾ بين يديه. ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا ﴾ والله لقد قلنا قولا ذا شطط أي ذا بعد عن الحق مفرط في الظلم.

﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ. ﴿ قومنا ﴾ عطف بيان. ﴿ اتخذوا من دونه ءالهة ﴾ خبره، وهو إخبار في معنى إنكار. ﴿ لولا يأتون ﴾ هلا يأتون. ﴿ عليهم ﴾ على عبادتهم. ﴿ بسلطن بين ﴾ ببرهان ظاهر فإن الدين لا يؤخذ إلا به، وفيه دليل على أن ما لا دليل عليه من الديانات مردود وأن التقليد فيه غير جائز. ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ﴾ بنسبة الشريك إليه.

﴿ وإذ اعتزلتموهم ﴾ خطاب بعضهم لبعض. ﴿ وما يعبدون إلا الله ﴾ عطف على الضمير المنصوب، أي وإذا اعتزلتم القوم ومعبوديهم إلا الله، فإنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون الأصنام كسائر المشركين. ويجوز أن تكون ﴿ ما ﴾ مصدرية على تقدير وإذ اعتزلتموهم وعبادتهم إلا عبادة الله، وأن تكون نافية على أنه إخبار من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد معترض بين ﴿ إذ ﴾ وجوابه لتحقيق اعتزالهم. ﴿ فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم ﴾ يبسط الرزق لكم ويوسع عليكم. ﴿ من رحمته ﴾ في الدارين. ﴿ ويهيىء لكم من أمركم مرفقا ﴾ ما ترتفقون به أي تنتفعون، وجزمهم بذلك لنصوع يقينهم وقوة وثوقهم بفضل الله تعالى، وقرأ نافع وابن عامر ﴿ مرفقا ﴾ بفتح الميم وكسر الفاء وهو مصدر جاء شاذا كالمرجع والمحيض فإن قياسه الفتح.

﴿ وترى الشمس ﴾ لو رأيتهم، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد. ﴿ إذا طلعت تزاور عن كهفهم ﴾ تميل عنه ولا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم، لأن الكهف كان جنوبيا، أو لأن الله تعالى زورها عنهم.

وأصله تتزاور فأدغمت التاء في الزاي، وقرأ الكوفيون بحذفها وابن عامر ويعقوب «تزور» كتحمر، وقرىء «تزوار» كتحمار وكلها من الزور بمعنى الميل. ﴿ ذات اليمين ﴾ جهة اليمين وحقيقتها الجهة ذات اسم اليمين. ﴿ وإذا غربت تقرضهم ﴾ تقطعهم وتصرم عنهم. ﴿ ذات الشمال ﴾ يعني يمين الكهف وشماله لقوله: ﴿ وهم فى فجوة منه ﴾ أي وهم في متسع من الكهف، يعني في وسطه بحيث ينالهم روح الهواء ولا يؤذيهم كرب الغار ولا حر الشمس، وذلك لأن باب الكهف في مقابلة بنات نعش، وأقرب المشارق والمغارب إلى محاذاته مشرق رأس السرطان ومغربه، والشمس إذا كان مدارها مداره تطلع مائلة عنه مقابلة لجانبه الأبيض وهو الذي يلي المغرب، وتغرب محاذية لجانبه الأيسر فيقع شعاعها على جانبيه، ويحلل عفونته ويعدل هواءه ولا يقع عليهم فيؤذي أجسادهم ويبلي ثيابهم. ﴿ ذلك من آيت الله ﴾ أي شأنهم وإيواؤهم إلى كهف شأنه كذلك، أو إخبارك قصتهم، أو ازورار الشمس عنهم وقرضها طالعة وغاربة من آيات الله. ﴿ من يهد الله ﴾ بالتوفيق. ﴿ فهو المهتد ﴾ الذي أصاب الفلاح، والمراد به إما الثناء عليهم أو التنبيه على أن أمثال هذه الآيات كثيرة ولكن المنتفع بها من وفقه الله للتأمل فيها والاستبصار بها. ﴿ ومن يضلل ﴾ ومن يخذله. ﴿ فلن تجد له وليا مرشدا ﴾ من يليه ويرشده:

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٧٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٧٤٢