17.94
﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ﴾ أي وما منعهم الإيمان بعد نزول الوحي وظهور الحق. ﴿ إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ﴾ إلا قولهم هذا، والمعنى أنه لم يبق لهم شبهة تمنعهم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن إلا أنكارهم أن يرسل الله بشرا.
17.95
﴿ قل ﴾ جوابا لشبهتهم. ﴿ لو كان فى الأرض ملئكة يمشون ﴾ كما يمشي بنو آدم. ﴿ مطمئنين ﴾ ساكنين فيها. ﴿ لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ﴾ لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه، وأما الإنس فعامتهم عماة عن إدراك الملك والتلقف منه، فإن ذلك مشروط بنوع من التناسب والتجانس، وملكا يحتمل أن يكون حالا من رسولا وأن يكون موصوفا به وكذلك بشرا والأول أوفق.
17.96-101
﴿ قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ﴾ على أني رسول الله إليكم بإظهاره المعجزة على وفق دعواي، أو على أني بلغت ما أرسلت به إليكم وأنكم عاندتم وشهيدا نصب على الحال أو التمييز. ﴿ إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ﴾ يعلم أحوالهم الباطنة منها والظاهرة فيجازيهم عليها، وفيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديد للكفار.
﴿ ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ﴾ يهدونه. ﴿ ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم ﴾ يسحبون عليها أو يمشون بها. روي (أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يمشون على وجوههم قال:
" إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم "
﴿ عميا وبكما وصما ﴾ لا يبصرون ما يقر أعينهم ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم، لأنهم في دنياهم لم يستبصروا بالآيات والعبر وتصاموا عن استماع الحق وأبوا أن ينطقوا بالصدق، ويجوز أن يحشروا بعد الحساب من الموقف إلى النار مؤفي القوى والحواس. ﴿ مأواهم جهنم كلما خبت ﴾ سكن لهبها بأن أكلت جلودهم ولحومهم. ﴿ زدناهم سعيرا ﴾ توقدا بأن نبدل جلودهم ولحومهم فتعود ملتهبة مستعرة، كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جزاهم الله بأن لا يزالوا على الإعادة والإفناء وإليه أشار بقوله:
﴿ ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بئايتنا وقالوا أءذا كنا عظما ورفتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا ﴾ لأن الإشارة إلى ما تقدم من عذابهم.
﴿ أو لم يروا ﴾ أو لم يعلموا. ﴿ أن الله الذى خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ﴾ فإنهم ليسوا أشد خلقا منهن ولا الإعادة أصعب عليه من الإبداء. ﴿ وجعل لهم أجلا لا ريب فيه ﴾ هو الموت أو القيامة. ﴿ فأبى الظلمون ﴾ مع وضوح الحق. ﴿ إلا كفورا ﴾ إلا جحودا.
﴿ قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى ﴾ خزائن رزقه وسائر نعمه، وأنتم مرفوع بفعل يفسره ما بعده كقول خاتم: لو ذات سوار لطمتني. وفائدة هذا الحذف والتفسير المبالغة مع الإيجاز والدلالة على الاختصاص. ﴿ إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ﴾ لبخلتم مخافة النفاد بالإنفاق إذ لا أحد إلا ويختار النفع لنفسه ولو آثر غيره بشيء فإنما يؤثره لعوض يفوقه فهو إذن بخيل بالإضافة إلى جود الله تعالى وكرمه هذا وإن البخلاء أغلب فيهم. ﴿ وكان الإنسن قتورا ﴾ بخيلا لأن بناء أمره على الحاجة والضنة بما يحتاج إليه وملاحظة العوض فيما يبذله.
﴿ ولقد ءاتينا موسى تسع ءايت بينات ﴾ هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وانفجار الماء من الحجر وانفلاق البحر ونتق الطور على بني إسرائيل. وقيل الطوفان والسنون ونقص الثمرات مكان الثلاثة الأخيرة. وعن صفوان أن يهوديا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت، فقبل اليهودي يده ورجله.