17.17
﴿ وكم أهلكنا ﴾ وكثيرا أهلكنا. ﴿ من القرون ﴾ بيان لكم وتمييز له. ﴿ من بعد نوح ﴾ كعاد وثمود. ﴿ وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ﴾ يدرك بواطنها وظواهرها فيعاقب عليها، وتقديم الخبير لتقدم متعلقه.
17.18
﴿ من كان يريد العجلة ﴾ مقصورا عليها همه. ﴿ عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ﴾ قيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه، ولا كل واجد جميع ما يهواه وليعلم أن الأمر بالمشيئة والهم فضل. ﴿ ولمن نريد ﴾ بدل من له بدل البعض. وقرىء «ما يشاء» والضمير فيه لله تعالى حتى يطابق المشهورة. وقيل ﴿ لمن ﴾ فيكون مخصوصا بمن أراد الله تعالى به ذلك. وقيل الآية في المنافقين كانوا يراءون المسلمين ويغزون معهم ولم يكن غرضهم إلا مساهمتهم في الغنائم ونحوها. ﴿ ثم جعلنا له جهنم يصلها مذموما مدحورا ﴾ مطرودا من رحمة الله تعالى.
17.19-24
﴿ ومن أراد الأخرة وسعى لها سعيها ﴾ حقها من السعي وهو الإتيان بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه لا التقرب بما يخترعون بآرائهم. وفائدة اللام اعتبار النية والإخلاص. ﴿ وهو مؤمن ﴾ إيمانا صحيحا لا شرك معه ولا تكذيب فإنه العمدة. ﴿ فأولئك ﴾ الجامعون للشروط الثلاثة. ﴿ كان سعيهم مشكورا ﴾ من الله تعالى أي مقبولا عنده مثابا عليه، فإن شكر الله الثواب على الطاعة.
﴿ كلا ﴾ كل واحد من الفريقين، والتنوين بدل من المضاف إليه. ﴿ نمد ﴾ بالعطاء مرة بعد أخرى ونجعل آنفه مددا لسالفه. ﴿ هؤلاء وهؤلاء ﴾ بدل من ﴿ كلا ﴾. ﴿ من عطاء ربك ﴾ من معطاه متعلق ب ﴿ نمد ﴾. ﴿ وما كان عطاء ربك محظورا ﴾ ممنوعا لا يمنعه في الدنيا من مؤمن ولا كافر تفضلا.
﴿ انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ﴾ في الرزق، وانتصاب ﴿ كيف ﴾ ب ﴿ فضلنا ﴾ على الحال. ﴿ وللأخرة أكبر درجت وأكبر تفضيلا ﴾ أي التفاوت في الآخرة أكبر، لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها والنار ودركاتها.
﴿ لا تجعل مع الله إلها ءاخر ﴾ الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته أو لكل أحد. ﴿ فتقعد ﴾ فتصير من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة، أو فتعجز من قولهم قعد عن الشيء إذا عجز عنه. ﴿ مذموما مخذولا ﴾ جامعا على نفسك الذم من الملائكة والمؤمنين والخذلان من الله تعالى، ومفهومه أن الموحد يكون ممدوحا منصورا.
﴿ وقضى ربك ﴾ وأمر أمرا مقطوعا به. ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ بأن لا تعبدوا. ﴿ إلا إياه ﴾ لأن غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام، وهو كالتفصيل لسعي الآخرة. ويجوز أن تكون ﴿ ءان ﴾ مفسرة و ﴿ لا ﴾ ناهية. ﴿ وبالولدين إحسنا ﴾ وبأن تحسنوا، أو وأحسنوا بالوالدين إحسانا لأنهما السبب الظاهر للوجود والتعيش، ولا يجوز أن تتعلق الباء بالإحسان لأن صلته لا تتقدم عليه. ﴿ إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ﴾ ﴿ أما ﴾ هي إن الشرطية زيدت عليها ما تأكيدا ولذلك صح لحوق النون المؤكدة للفعل، وأحدهما فاعل ﴿ يبلغن ﴾ ويدل على قراءة حمزة والكسائي من ألف «يبلغان» الراجع إلى «الوالدين»، وكلاهما عطف على أحدهما فاعلا أو بدلا ولذلك لم يجز أن يكون تأكيدا للألف، ومعنى ﴿ عندك ﴾ أن يكونا في كنفك وكفالتك. ﴿ فلا تقل لهما أف ﴾ فلا تتضجر مما يستقذر منهما وتستثقل من مؤنتهما، وهو صوت يدل على تضجر. وقيل هو اسم الفعل الذي هو أتضجر، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين وتنوينه في قراءة نافع وحفص للتنكير. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالفتح على التخفيف. وقرىء به منونا وبالضم للاتباع كمنذ منونا وغير منون، والنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الايذاء قياسا بطريق الأولى.
وقيل عرفا كقولك: فلان لا يملك النقير والقطمير، ولذلك منع رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة من قتل أبيه وهو في صف المشركين، نهى عما يؤذيهما بعد الأمر بالإحسان بهما. ﴿ ولا تنهرهما ﴾ ولا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ. وقيل النهي والنهر والنهم أخوات. ﴿ وقل لهما ﴾ بدل التأفيف والنهر. ﴿ قولا كريما ﴾ جميلا لا شراسة فيه.