تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40.56

الجدل: هو المراء والأخذ والرد، مأخوذ من جدل الحبل وفتله، والفتل عملية تتماسك فيها الخيوط، وتتداخل بعضها في بعض بعد أن كانت هشة متفرقة، فالجدل يحمل معنى التقوية، تقوية الرأي بالرأي. والجدل منه جدل بناء يهدف للوصول إلى الحق، وجدل مراء لا فائدة منه، جدل الحق جدل بسلطان يعني: حجة وبرهان، وجدل المراء بالباطل. يعني: بدون سلطان ولا حجة، والسلطان إما أن يكون سلطان قهر يحملك ويرغمك ويقهرك على الشيء، وإما سلطان حجة وإقناع، سلطان القهر يجعلك تفعل وأنت كاره مجبر، وسلطان الإقناع والحجة يجعلك تفعل وأنت راض مقتنع. لذلك قال عدو الله إبليس:

وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم

[إبراهيم: 22]. يعني: لم يكن عندي سلطان قهر أقهركم به على المعصية، ولا سلطان حجة وإقناع أقنعكم به. لذلك قلنا في آية السجود لآدم أن الحق سبحانه قال مرة

ما منعك أن تسجد

[ص: 75] وفي موضع آخر قال:

قال ما منعك ألا تسجد

[الأعراف: 12] فواحدة بالإثبات والأخرى بالنفي، كيف؟ يعني: هل جئت لتسجد فجاءت قوة منعتك من السجود؟ أم قوة أقنعتك بعدم السجود فلم تسجد وأنت راض مقتنع بذلك؟ ومعنى ﴿ في آيات الله ﴾ [غافر: 56] قلنا: إنها على ثلاثة أقسام: آيات كونية لإثبات الوجود الأعلى وقدرته وبديع صنعه، ومن هذه الآيات الكونية الشمس والقمر والنجوم والأرض والهواء والماء.. إلخ. الثانية: هي المعجزات التي يجعلها الله للرسل لإثبات صدق الرسول في البلاغ عن الله. والثالثة: هي آيات القرآن الكريم التي تحمل أحكام الله إلى الناس، وتحمل منهج الله بافعل ولا تفعل. ففي أي هذه الأنواع يجادلون؟ قالوا: يجادلون في المعجزات، وفي آيات الأحكام، أما الآيات الكونية فليست مجالا للجدل. وقوله: ﴿ بغير سلطان أتاهم ﴾ [غافر: 56] هل يعني هذا أن هناك جدلا في آيات الله بسلطان؟ قالوا: بل المعنى أنه ممتنع أي: ليس في آيات الله جدل، المسألة ﴿ إن في صدورهم إلا كبر ﴾ [غافر: 56] هذا هو السبب، ومصدر الجدل في آيات الله، كبر في صدورهم يمنعهم من قبول الحق، ويمنعهم أن ينقادوا لرجل منهم ربما ظنوا أنهم أفضل منه. لذلك في بعض الآيات يوضح الحق سبحانه أنهم يؤمنون بالقرآن، لكن اعتراضهم هو على رسول الله كشخص جاء بالرسالة، وهو واحد من عامة القوم ليس بأعظمهم ولا أغناهم، يقول تعالى يحكي على لسان الكفار:

وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم

[الزخرف: 31]. وفي موضع آخر ينكرون الجميع ويقولون:

اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم

[الأنفال: 32] وكان المنطق أن يقولوا: فاهدنا إليه. وهذا القول منهم دليل على أنهم كارهون للدين جملة، لأن قلوبهم مشغولة بقضية مخالفة هي شركهم بالله وعبادتهم الأصنام، هذه العبادة التي شبوا عليها وتوارثوها، وإذا شغل الإنسان بالباطل لا يمكن أن يهدي للحق إلا إذا أخرجت القضية الباطلة من قلبه أولا، عندها يسمح للحق أن يدخل. لذلك يوضح لنا الحق سبحانه أن مسألة العقائد لا تناقش في جمهرة الناس، إنما تتأملها بينك وبين نفسك، وإن كان لا بد من المشاركة، فواحد فقط، لماذا؟ لأنك حين تجلس بمفردك أو مع شخص واحد معك يثمر النقاش ولا تتسع دائرة الخلاف، فيكون أدعى للوصول إلى الصواب، وإذا انهزم واحد منكما فلن ينهزم أمام جمهرة الناس، وساعتها لن يكابر ولن يعاند وسيعود إلى الحق ويرجع إليه دون حرج. لذلك يقول سبحانه:

إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة

[سبأ: 46] يعني: لا تبحثوا مسائل العقيدة جماهيريا لأن الجماهير لا ضابط لها، وتفكيرها الجماعي يؤدي إلى الخلط والغوغائية، فكن بمفردك حتى لا يداخلك هوى فتميل معه. والكبر في قوله تعالى: ﴿ إن في صدورهم إلا كبر ﴾ [غافر: 56] إن بمعنى ما في صدورهم إلا كبر. يعني: تعال على الحق الذي يأتي به الرسول، هذا الكبر أو التكبر هو الذي منعهم من الاستماع للرسول، وجعلهم يتعالون عليه، ذلك لأنهم كانوا في مجتمعهم سادة، واستماعهم لرسول الله وطاعتهم له سيجعلهم مسودين لمن يسمعون منه ويطيعونه. ومعلوم أن قريشا كان لها السيادة على كافة العرب، هذه السيادة جعلتهم متمكنين من رحلاتهم التجارية بالشتاء والصيف، وينتقلون بها دون أن يتعرض لهم أحد، لماذا؟ لأن قبائل العرب جميعها تأتي إلى قريش في مكة موسم الحج، ويكونون في ضيافة قريش ورعايتها وفي باطنها، فالبيت الحرام وحجه هو الذي أعطى قريشا هذه المكانة وهذه المهابة لذلك قال سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٨٨