ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض
[الأنفال: 67] لما اختلفوا في أخذ الفداء من الأسرى، وعاتب الله رسوله بهذه الآية، لكن هل تغير الحكم بعد ذلك؟ لا بل ظل كما هو وقال تعالى:
لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيمآ أخذتم عذاب عظيم
[الأنفال: 68]. فكأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينكر هذه المسألة، خاصة وأن الحكم كما هو لم يتغير، إذن: نحن لم نعلم معتبة الله على رسوله إلا من الرسول نفسه، والمتأمل في عتاب الحق سبحانه لرسوله يجد أنه إما عتاب لمصلحته هو صلى الله عليه وسلم، أو عتاب لأن جانب الصواب الذي حكم به الحق سبحانه، كما في هذه المسألة التي ذكرناها. أما العتاب لمصلحته صلى الله عليه وسلم فمثل قوله تعالى:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك
[التحريم: 1] وهذا كما تعاتب ولدك على كثرة سهره في المذاكرة وإجهاده لنفسه، كذلك الحق سبحانه يعاتب رسوله أنه ضيق على نفسه وشق عليها طلبا لمرضاة أزواجه. كذلك عاتبه في مسألة الأعمى فقال:
عبس وتولى * أن جآءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما من جآءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى
[عبس: 1-10]. والعتاب هنا لأنه صلى الله عليه وسلم شق على نفسه حين ترك هذا الأعمى وانصرف عنه لأنه مؤمن، وذهب إلى صناديد الكفر يدعوهم، ورأى أنهم أولى بالدعوة منه. بعض العلماء أخذوا من قوله تعالى ﴿ واستغفر لذنبك ﴾ [غافر: 55] دليلا على عدم عصمة الأنبياء، وقالوا آخرون: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال في دعائه:
" اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك ".
والبعض له في الآية ملحظ آخر قال: ﴿ واستغفر لذنبك ﴾ [غافر: 55] لا تدل على وقوع الذنب منه بالفعل، والمعنى: إن فعلت ذنبا. أي في المستقبل استغفر، مثل قوله تعالى:
يأيها النبي اتق الله
[الأحزاب: 1] فهل معنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يتقي الله؟ لا بل هو أمر ابتدائي بالتقوى. ولا يعني أنه صلى الله عليه وسلم خالف منهجه فأمره الله بتقواه، كما نرى نحن الآن مخالفا لمنهج الله فنقول له: يا فلان اتق الله، يعني: استقم على منهجه، واترك المخالفة، واجعل بينك وبين الله وقاية. لذلك قال: الأمر في: ﴿ واستغفر لذنبك ﴾ [غافر: 55] أمر تعبدي، كما جاء في قوله سبحانه:
ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك
[آل عمران: 194] الأمر هنا أمر تعبدي لأننا نقول آتنا، وهو سبحانه قد وعد رسله بذلك، فهو أمر متحقق واقع. ثم نقول للذين يقولون بوقوع الذنب من الرسل: هل خلعهم الله من الرسالة لأنهم ارتكبوا الذنب؟ أم تركهم رسلا؟ بل تركهم وأبقى على رسالاتهم، إذن: ما قولك أنت إذا كان ما فعله الرسول لا ينافي رسالته، وهو مرضي عند من خالفه وأذنب في حقه؟ وقوله: ﴿ وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار ﴾ [غافر: 55] العشي: الوقت من بعد صلاة الظهر إلى آخر النهار، والإبكار من الفجر إلى الضحى، فالمعنى: كن دائما مسبحا بحمد ربك. وإذا كان الأمر هنا للرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين الذين اشتركوا معه في العشي والإبكار، فهو من ناحية أخرى أمر للناس كافة في الزمان وفي المكان لعموم رسالته صلى الله عليه وسلم. إذن: فالعشي والإبكار هنا شائع في الزمان كله والمكان كله، فكل له عشي وإبكار يناسب زمانه ومكانه، وهذا يعني أن يظل تسبيح الله شائعا في الزمان والمكان مستمرا لا ينقطع أبدا، هذا إذا نظرنا إلى اختلاف الأوقات من مكان لمكان. لذلك قلنا: إن ربط التكاليف والعبادات بدورة الهلال يراد بها استدامة دورة العبادة لله تعالى، فلو كانت مرتبطة بالشمس كانت تتحد الأوقات عند الناس، إنما بحساب الهلال ترى أن هذا يصلي الصبح، في نفس الوقت الذي يصلي فيه آخر الظهر، وآخر العصر، وآخر المغرب، وهكذا، إذن: فالحق سبحانه معبود في كل وقت بكل وقت. ومعنى ﴿ وسبح بحمد ربك ﴾ [غافر: 55] يعني: تسبيحا موصولا بالحمد، لأن التسبيح تنزيه لله تعالى، وما دام الحق منزها عن كل النقائص فثمرة هذا التنزيه عائدة عليك أنت، أنت المستفيد من كون ربك الذي آمنت به واحدا منزها عن النقائص.