40.60
معنى ﴿ ربكم ﴾ [غافر: 60] من تولى تربيتكم، والتربية هنا تعني الإيجاد من العدم والإمداد من عدم، وما دام هو ربي فأنا مسئول منه يضمن لي رزقي وعيشي في الدنيا، وقبل ذلك أعطاني الجوارح التي تعمل، والأعضاء التي بها أعيش، فهو ربي وخالقي الذي استدعاني للكون، ووفر لي فيه أسباب الحياة. لذلك لما أراد سبحانه أن يجعل نموذجا في الكون جعله بحيث يتعاطف الكون مع ذاته ويتكامل في نفسه، فجعل هذا قويا، وهذا ضعيفا، هذا صحيحا وهذا مريضا. فالقوي حركته في الحياة حركة كاملة قوية تزيد عن حاجته، وقال له: ما زاد عن حاجتك اجعله للضعيف الذي لا يقدر على الحركة، والخالق سبحانه قادر على جعل الناس جميعا أقوياء، لكن أراد أن يرتبط الخلق في حركة الحياة ارتباط حاجة لا ارتباط تفضل لأن الارتباط لا يأتي بقانون التفضل، فالتفضل لا إلزام فيه، والمتفضل بالشيء حر، يفعل أو لا يفعل. وقوله: ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ [غافر: 60] يعني: فيما عجزتم عن أسبابه ولن تقدروا عليه، ولم تجدوا من بيئتكم عونا عليه، فليس لكم إلا التوجه إلي تدعونني، فأستجيب
أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء
[النمل: 62] فأنا ربكم وخالقكم استدعيتكم إلى الوجود ومنحتكم الأسباب والجوارح، واستخلفتم في الأرض، فليس لكم ملجأ غيري تلجأون إليه إن عزت عليكم الأسباب. أما إن كانت الأسباب ميسرة لكم، وقام كل مكلف بدوره، فلا تتركوا الأسباب وتقولوا: يا رب، عليكم بما في أيديكم من الأسباب أولا، زاولوها فإن ضاقت بكم فاذهبوا إلى المسبب. لكن نلحظ في هذه المسألة أن الله تعالى أمرنا بالدعاء ووعدنا الإجابة، ومع ذلك منا من يدعو فلا يستجاب له، فلماذا؟ قالوا: لأنك تدعو وأنت غير مضطر، فلو كنت في حالة الاضطرار لاستجيب لك. أنت تسكن في مسكن محترم وتدعو الله أن يكون لك فيلا أو قصر، فإن أعطاك القصر قلت: أريد عمارة تصرف على القصر، هذا دعاء عن ترف لا عن اضطرار، والإجابة هنا مشروطة بالمضطر. والحق سبحانه وتعالى لا يعفي عبدا عن مسئولية استطراق النفع للعباد، قالوا: لأن الواجد يبذل، وغير الواجد ينصح الواجد، فإن نصحت دون جدوى فلن تبرأ ذمتك حتى بعد ذلك. ولو قرأت القرآن تجد قوله تعالى:
ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم
[التوبة: 91]. متى هذا؟ قالوا: إذا لم يكن عندك مال لا بد أن تنصح
إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل
[التوبة: 91] نصحت ولم يستجب لك. قالوا: اقدر على نفسك، كيف؟
ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون
[التوبة: 92] فهل أعفى أحدا؟ لا بل حث الجميع على أن يفعلوا: إما بذل المال، وإما بذل المقال، فإذا لم تستطع هذا ولا ذاك فيجب أن تحزن لأنك لم تشارك، ولا يكفي هنا الألم الوجداني، بل لا بد أن يصحبه انفعال عاطفي ينتج عنه بكاء، تبكي أنك لم تجد شيئا تنفقه في سبيل الله. إذن: المسألة استطراق نفعي في الكون، هذا الاستطراق لا يدع أحدا منا في حاجة. وبعد ذلك نقول له: أأنت فقير عجز أم احتراف؟ إن كان فقير احتراف لا يحسب ولا يؤبه له، وإن كان فقير عجز فله أن يجلس في بيته معززا مكرما، والغني هو الذي يذهب إليه ويعطيه حقه، فالقادر إذن أصبح في خدمة غير القادر. وقوله: ﴿ إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ﴾ [غافر: 60] معنى: ﴿ يستكبرون عن عبادتي ﴾ [غافر: 60] أي: عن دعائي والذلة لي، وإظهار الحاجة إلي، لذلك قال أهل المعرفة: لا يكن حظك من الدعاء أن تجاب، لكن اجعل حظك من الدعاء ذلة محتاج لمن معه الخير، هذه هي معنى العبادة هنا؟ لذلك تجد ربك عز وجل دائما يصحح لك خطأك في الدعاء: